|
( الفصل
الثالث )
إن
تاريخ الجزيرة العربية هومن نسج أفكار رجل .
وعندما تحدث إلي
الشيخ زايد عاد بأفكارة إلى الماضى ، مستعيدا حلاوة الأيام
الهادئة . تذكر ان الإقتتال كان من عادة القبائل المجاورة . وكان جدة زايد بن
خليفة ( زايد الكبير ) الذى كان كزايد الحفيد إنما أضخم جثة وأكبر لحية ،
فارسا لا يعرف الخوف إلي قلبة سبيلا . وبلغ زايد الكبير من الطول حدا كانت معة
رجلاة تقتربان من الأرض وهو على صهوة جوادة . أما الشيخ سلطان أبو زايد فقد أقام
فى قصر بناة من الصخور الرملية فى أبوظبى وسماة الحصن ، وفى هذة البلدة
العربية وهذا الحصن ولد زايد وكان رابع إخوتة .
أول ماتناهى إلى مسمع المولود
الجديد كان سورة الفاتحة ومنذ بدأ يتكلم أخذ يردد آيات من القرآن الكريم عن ظهر
قلب ، ومن هذا الكتاب نسج زايد نمط حياتة . وتعلم أن يردد آيات منة عندما يواجة
الصعاب . وتعلم أيضا أنة ليس كتاب دين فحسب بل كتاب جميع التعاليم الضرورية
للحياة العربية الإجتماعية والسياسية . كانت أبوظبى فى سنى نشأتة هى ذاتها لم
تكن تدرك بعد لأن خيطا سحريا يشدها لتصبح من أغنى حقول النفط فى القرن العشرين.
من هذة الناحية لم يتغير الشىء الكثير فى أبوظبى عن تلك الأيام الغابرة ففى
لقائى مع الشيخ زايد بن سلطان فى العام 1974 حيث جلست إلى يسارة فى
مجلسة كان يستقبل الناس للتشاور ولسماع مشاكلهم وليقضى فيما بينهم
وسرعان ما أدركت ميزة المجلس ، فهو مؤسسة ديمقراطية بدائية تجاوزت مرارا
بل يمكن القول إنها بزت التقدم الجامد فى الكثير من السياسة
الغربية . ويستطيع أى شخص أن يدخل المجلس بلا موعد سابق ولا معاملة رسمية
وعلى سبيل المثال قد يحضر بدوى طالبا سيارات لنقل عائلتة إلى مكان جديد ، كما إنة إذا كان لرجل ولد مريض لا يستطيع الحصول
على مساعدة طبية لة ، يمكنة أن يطلب ذلك من الشيخ. وربما تطلب عائلة التدخل فى
نزاع على الحدود إن كل هذا العمل الرسمى يتم بطريقة غير رسمية .
ولقد رأيت إبن
الشيخ زايد الصغير يلعب فى المجلس كما كان يفعل والدة ، على سبيل الإفتراض ،
عندما كان فى سنة فى العام 1924 أى قبل خمسين عاما وربما كان الحاضرون فى
المجلس يفعلون مثلما كان يفعل أباؤهم قبلهم إنما هناك جديد واحد كما أشار الشيخ
زايد هو نموذج طائرة ( فى . سى .10 ) على الطاولة الصغيرة أمامة .
قال لى الشيخ
زايد إنة لا يزال يتذكر مجلس والدة ، حيث كان يحضر رجال القبائل فى أبو ظبى
ومعهم اللؤلؤ يقدمونة للشيخ سلطان ( صناعة اللؤلؤ كانت الصناعة الرئيسية بعد
الصيد ) وكان اللؤلؤ يباع فى الاسواق الكبيرة فى البحرين وبومباى . وقد إزدهرت
تجارة اللؤلؤ بعد حرب العام 1918 وبلغ الطلب عليها مبلغا خياليا فى الولايات
المتحدة الإمريكية وأميركا اللاتينية ، فى فترة الإنتعاش التى شهدتها فى أوائل
العشرينات . وقد بلغت الضرائب التى فرضها الشيخ على سفن صيد اللؤلؤ 15000
–25000 جنية إسترلينى فى السنة . وخلال العشرينات كثر السمك فى مياة الخليج
من نوع الإبراميس والنهاش والتن والإربيان مما وفر مصدر عيش جيد ا لما لا يقل عن خمسة الاف صياد كانوا يدفعون حصة للشيخ . ومع ذلك لم تكن قيمة الحصة ثابتة
، فكان دخل الشيخ بالتالى غير ثابت ومتقلبا
كانت الهبات تقدم إلى رئيس القبيلة لمساعدتة على مواجهة مصاريفة الكبيرة أما
واجبات الشيخ فواضحة ، إذ يجلس فى المجلس ويحل المشاكل ويساعد المعوزين بما لدية
من مال ، ويقدم القهوة والشاى والطعام للزوار فى مجلسة . ويدير دار ضيافة
لإستقبال الزائرين القادمين إلى أبو ظبى من العراق والبحرين وقطر والكويت
وعمان ومصر وغيرها . لقد كان فى حاجة مستمرة إلى العون ليقوم بمتطلبات كرم
الضيافة والإيواء والصداقة على نطاق واسع . ويجرى إستقبال حار للزائرين القادمين من الصحراء أو عبر الخليج الذى مازال يعج بالسفن ، مثلما كان فى
الماضى . وهناك سجاد ووسائد فى إنتظار الأجساد التعبة ، وطعام كثير . ولا تسمع
ردودا باردة ، بلهجة رسمية على طلب الإستشارة أو العون . ففى المجلس تغيب
الرسميات كليا . وكان على الشيخ وكامل أسرتة أن يكونوا على إستعداد ، فى أى
وقت لإستقبال الزائرين فى حيوية . وليس الحصن فى أبو ظبى ، من نواحى كثيرة ،
قصرا بقدر ماهو دار ضيافة مشرعة الأبواب ومركز إستشارة وفند قا كبيرا ويتم إستقبال الضيوف سواء أكانوا خمسة أم خمسين .
وفى مجلس والدة فى ابو ظبى ،
تعلم الشيخ زايد ، مثلا قانون الحرب بين البدو ولم تتخط الحروب بين القبائل في
العشرينات ، فى بعض الحالات ، إلا قليلا ، المناورات الحربية القاسية ، كانت قطعان
المواشى المسروقة فى هذة الحروب ، هى الغنيمة . ولكن بنود القانون تجب مراعاتها ،
وهنا عشرة منها :
ـ إذا
سقط عدوك عن حصانة فى المعركة فلا تهاجمه .
ـ إذا
صرعت رجلا راجلا فيسود أسمك في أوساط القبيلة .
ـ إذا
أطلق رجلا راجل على عدو ممتط وقتلة فيعتبر مجرما .
ـ إذا
كانت الخيام قريبة فلا تطلق عليها فتعرض النساء والأطفال للموت .
ـ يعامل
الأسرى كضيوف ويسمح لهم بالأكل مع الذين أسروهم ، ويسمح لهم بالعودة إلى
قبيلتهم بعد انتهاء المعركة .
ـ إذا
اسر شيخ فيعامل معاملة الشيخ .
ـ إذا
طلبت فدية من بدوى أسير يطلق سراحة بناء على تعهد شفهى بدفعها .
ـ إذا
نشبت معارك ثأرية فلا يذبح عدو فى أثناء نومة . ولا بد من أن يوقظ أولا ويعطى
فرصة تناول الطعام والشراب والتدخين قبل موتة .
ـ إذا
كان هناك عداء بسبب قتل فلا بد من إشعار العدو سلفا بحيث لا يقع فى مكمن فجأة
. وإذا إخترت طريقة المكمن فلا بد أن تفعل ذلك جهارا بحيث لا يتمتع أحد بمبادرة
غير منصفة .
ـ إذا
جاء رجل ممتطيا جوادة إلى مضارب قبيلة فى ملاحقة فار فإن الشرف يقضى ، حسب
قانون الصحراء ، برفض إعطاء المعلومات عنة ويسمح بالكذب فى سبيل حمايتة . وإذا
جاء مجرم إلى بيت أقارب الضحية فيجب أن لا ينزل بة ضرر ولا بد أن يسمح لة
بالفرار مع فرصة ثلاثة أيام قبل ملاحقتة . وعندما تقع الحرب ، فعلا بين البدو
تتجة القبيلة إلى شيخها لتمويل القتال من الخزانة وشراء الأسلحة . ويقدم الشيخ
الجمال والمؤن عندما تنطلق القوة لمقاتلة دخيل على تخوم إمارات الخليج ، تلك
التخوم التى هى ، عادة غامضة وغير محددة .
إننى أقدم هذة البنود القليلة وغير المكتوبة لا كجزء من سيرة بقدر ما هى إشارة
إلى المناخ والقوانين التى احاطت بتربية الشيخ البدوى .
فى
هذا المجلس نشأ زايد فى صباة قبل خمسين عاما ، حيث كان يأتى سلطان مسقط إلى زيارة
والد زايد ، فى قافلة عبر سلسلة جبال حفيت الواقعة بين مسقط وأبو ظبى . وكان
يحمل معة هدايا ويتلقى السلطان فى المقابل هدايا أخرى ، قد تكون إثنى عشر حصانا ،
أو مئة سيف ، أو خمسين خنجرا ، أو ذهبا . وكان التجار من دلمون ( البحرين ) يختالون
حاملين قماشا وساعات وبنادق ليعودوا باللؤلؤ فى المقابل . وكانت أبو ظبى بسبب
موقعها الرئيسى عند مدخل الخليج ، تشكل مرفأ مزدحما يتوقف فية التجار القادمون
من بلاد الرافدين وفارس ووادى الهند . لقد عاش الناس فى هذة المنطقة وتاجروا قبل
المسيح بألفى سنة . وجدير بالذكر ان الفينيقيين ، بناء على قول هيرودتس توجهوا
اصلا إلى فلسطين من هذا المرفأ الخليجى ثم إنطلقوا فى ما بعد فى البحر الابيض
المتوسط وتاجروا مع كورن وول ويلز وبريطانيا فى أيام المسيح .
وفى هذا المجلس
بالذات لم تختلف الأحداث أبدا . فمقر المجلس شتاءا هو فى أبوظبى ، حيث تعد
القهوة فى أحد أركانة ويوزع التمر فى شكل إحتفالى . وكان الخدم يقدمون أوعية
ماء خاصة يغسل فيا الضيوف أصابعهم بعد تناول التمر وينتقل المجلس فى الصيف إلى
العين حيث الطقس أكثر لطافة .
إن
قبيلة بنى ياس ، التى قادها والد زايد وأجدادة وأجداد أجدادة ، تضرب جذورها عميقا
فى تاريخ الجزيرة العربية ولها فروع كثيرة .
وقد
بلغ عدد أفراد بنى ياس يوم مولد زايد خمسة عشر ألف نسمة . ولكن أسرة زايد يمكن
العودة بجذورها إلى القبائل الثلاث عشرة الاصلية . التى إستمر عرقها فى التصف
الجنوبى من شبة الجزيرة العربية شبة صاف تقريبا . مدة أربعة الاف سنة . وقد شغل
بنو ياس المسرح الأمامى فى تاريخ الجزيرة العربية مدة طويلة من الزمن . فقد
كانوا فى فترة من التاريخ قبيلة قوية فى نجد الواقعة فى السعودية حاليا ، ثم
إنتقلوا شرقا عبر الصحراء إلى شواطىء أبوظبى معززين قوتهم فى مسيرتهم .
وفى
أواخر عهد النبى محمد ( صلى اللة علية وسلم ) تلقت قبيلة بنى ياس رسالة الرسول التى
يطلب فيها منهم الخضوع للإسلام ، فتخلوا عن عبادة الأصنام والنجوم والتماثيل
وإعتنقوا الإسلام ومفهوم التوحيد . وأدى ذلك إلى وجود موقف روحانى ورؤية واضحة
حافظ عليها بنو ياس بإستمرار قرونا من الزمن . ولبنى ياس إثنا عشر فرعا قويا .
فهناك عائلة بوفلاح التى تحدر منها زايد نفسة ، وعائلة بو فلاسة التى تحدر منها
الشيخ راشد ، نائـب رئيس دولة الإمارات حاليا .
والتاجر الذكى فى دبى . وقد وجدت فى
أبوظبى تسع مجموعات قبلية أخرى ، كلها ذات نفوذ كبير ، ولا بد من إستشارتها
وتكريمها فى كل خطوة تؤثر فى المنطقة . إنة نظام حكومى ذو حدين . إلا أنة عندما
يتفق الجميع نهائيا حول أى مسألة يحتشدون جميعا بزعامة بنى ياس وشيخها .
|