|
( الفصل
الخامس )
كانت السنون ، التى إنصرمت منذ ولادة الشيخ زايد، سنين تاريخية فى القرن
العشرين ومع ذلك بقيت أبو ظبى القابعة على البحر فى طرف الصحراء البنية اللون
الهزيلة الجافة ، كأنها من محميات القمر بدلا من المملكة المتحدة
. وبقى الشيخ
زايد ، إلى حد بعيد غير معروف بأكثر من أنة أصغر أبناء مشيخة خليجية قام
بواجباتة التقليدية ، أولا ثم عين حاكما للمنطقة الشرقية من أبوظبى إلا أن
سياسة الشرق الأوسط ، تلك العرافة القديمة المجنونة أغلقتة كثيرا إنما الامر لم
يكن كذلك فى الصحف والإذاعات العربية .
كان يستمع إلى الإذاعة ويقرأ الصحف
العربية الصادرة فى الكويت وبيروت والقاهرة ، هذة الصحف التى كانت تستفيد من
الرسائل الواردة من لندن ، حول شؤون الشرق الأوسط ، أكثر مما كانت تستفيد الصحف
المحلية البريطانية . فتمحيص الصحف البريطانية فى هذة الفترة توضح ، فقط ضآلة
الأنباء التى كانت تصل إلى الرأى العام البريطانى .
ونقلت الصحف القاهرية يوم
الثانى والعشرين من فبراير ( شباط) 1924 عن صحيفة ( التايمس ) البريطانية قولها
إن بريطانيا تنوى التقليل من قواتها فى الخليج بأمر من السيد رامسى مكدونالد
أول رئيس حكومة عمالى فى بريطانيا . وبعيد ذلك حيتة طهران بصفتة ( صديقا لفارس
) وبرزت الأدلة على الإهتمام المتزايد من أطراف أخرى . فيوم السابع عشر من
أغسطس ( آب) 1928 ذكرت صحيفة ( إزفستيا ) السوفياتية ، فى نبأ لها من ريكا أن
السفينة السوفياتية ( طوبو لسك ) قامت بأول رحلة إلى مياة الخليج منذ العام
1914 وهى تحمل ثمانمئة طن من السكر . وهنا بدا أن هناك نية سوفياتية للإبحار
فى إنتظام إلى مياة الخليج .
ويوم الثامن عشر من نوفمبر ( تشرين الثانى ) 1930 ،
عندما بلغ زايد السادسة عشرة من عمرة ، كتب هـ . م . دانيال القائد فى البحرية
الملكية ، والذى خدم فى الخليج ، فى صحيفة ( دايلى ميل ) اللندنية يخبر القراء
كيف قمع القرصنة وتجارة الرقيق الأخذة فى التضاؤل . وزعم هذا القائد البحرى أن
السفن المحلية كانت تنطلق من موانىء الساحل المتصالح وأضاف معلقا : ( عندما
تقترب من سفينة محلية لا بد من ان تكون حذرا وتسير فى إتجاة الريح ، لأن
بحارتها يفضلون أن تمر بجانب سفينتهم المحجوب عن الريح بحيث يستطيعون حل الكر
وقطع الأشرعة لتسقط عليك وعلى بحارتك ويتمكنوا من طعنك بسهولة ) .
وختم القائد
البحرى مقالتة بقولة إن التجارة آخذة فى الإنخفاض . ولم ير فى ذلك ضررا بالغا إذ
أن ( هناك شكاوى قليلة من سوء المعاملة ) مذكرا الجميع بأن عمل البحرية إنما
يتم فى منطقة شديدة الحر دفاعا عن المكلف البريطانى . وعدا أمثال هذة الروايات عن القرصنة ، التى تنشر أحيانا فى مجلة ( بويز أون ) فإن الرأى العام البريطانى
لم يعط إلا القليل من المعلومات عن الساحل المنسى .
وهبت رياح التغيير . فذكر سلاح
الجو الملكى يوم السابع والعشرين من يونيو ( حزيران ) 1932 إنة سينقل طائراتة
المائية التابعة للفرقة الثالثة من الطرف الفارسى إلى الطرف العربى من الخليج
وعلقت التايمس على الأمر بقولها : ( سوف يقنعون أكيدا عددا غير قليل من الشيوخ
غير المقتنعين على الساحل المتصالح بأن التغيير سيكون لمصلحتهم ) .
ويوم السادس
من إبريل ( نيسان ) 1935 أى بعد ثلاث سنوات ، شيد ت الحكومة البريطانية منارة
ووضعت ملاحين فى جزيرة أبو موسى ، التى لا تبعد عن جزيرة الطنب على مدخل الخليج ،
وكأن بريطانيا كانت تريد من ذلك تأكيد نواياها الراسخة تجاة مياة الساحل
المتصالح .
وإستمرت هوة جهل الرأى العام البريطانى شؤون منطقة الساحل المتصالح
تزداد عمقا لقد كانت ( منطقة مفقودة ) وحدث أيضا تغيير دقيق فى الموقف ، بل ثورة
فكرية صامتة فى أوساط الشعب البريطانى فقد كتب الروائى البريطانى السيد جى. بى .
بريستلى فى ذلك الوقت يقول ( لم تعد الجزيرة تبدو مركز الكون . وبدت الأن
الصحيفة التى كانت تصلنى من لندن فى إنتظام ، مليئة بالتفاصيل الغربية التافهة
. كأن القباحة والتعالى موجهان لقراء ماوراء البحار .
وعندما نشبت الحرب
العالمية فى العام 1939 كان الشيخ زايد فى ربيعة الخامس والعشرين ، لكن الحرب
كانت بالنسبة إلية صوتا بعيدا . وإستمرت حياتة فى أبوظبى والعين بلا تغيير . وعلى
الرغم من أن شقيقة الشيخ شخبوط كان قد وقع إتفاقا للتنقيب عن النفط مع شركة
نفط العراق البريطانية ، قبل الحرب . فإن هذة الشركة لم تفعل شيئا فى هذا الشأن
بسبب ضرورات إلتزامات أخرى .
وعلى الرغم من النقص فى ورق الصحف ، إبان الحرب فقد
نشرت فقرات قليلة عن الساحل المتصالح ، إنما عاد الصمت فخيم مطبقا .
إلا أنة
فى العام 1945 إنتخبت حكومة عمالية برئاسة السيد كليمنت إتلى ، الذى جاء ومعة
الفلسفة القائلة بوجوب إنسحاب بريطانيا من الهند ، وكان يترتب على ذلك ، طبعا
تغيير فى الساحل المتصالح ، إذ حتى ذلك الوقت كان الجيش الهندى والبحرية
الهندية يقومان بدور الشرطة فى المنطقة فى إرتياح ، هذا الارتياح الذى تعنى بة
نهاية النفوذ . وكانت الصلة بين بريطانيا والدول المتصالحة تقوم على أساس
الحاجة إلى حماية تجارة شركة الهند الشرقية من القرصنة وإلى الدفاع عن الهند .
والتخلى عن الهند يعنى ، حتما وضع قوة أقل فى الدول المتصالحة ومع أن ذلك قد
يعنى تراجع النفوذ البريطانى فى الخليج فلم يكن لذلك أى إعتبار يزعج كثيرا السيد
إتلى أو أعضاء حكومتة ، إذ قالوا إن الرأى العام البريطانى هو وراء أى تراجع
عن الإستعمار .
وقد إهتم قليلون لكلمات ( المتنبىء ) اللطيف السيد رونالد ستورز رئيس
الإدارة الإستعمارية البريطانية الذى حذر فى العام 1945 من أن حياة
الفقراء فى الشرق الأوسط ستصبح إما مشكلة لرجل الدولة أو فرصة للديماغوجية .
ومع
بداية العام 1946 تحدث السيد إتلى بلهجة المقتنع بما يقول ، متحدثا عن مشاكل
الساحل المتصالح : ( إن الوضع القديم لا يمكن أن يستمر هناك لكننا لا نستطيع
أن ننسحب تاركين وراءنا فراغا .
وإرتفع صوت بريطانى اخر يوم الحادى والعشرين من يناير ( كانون الثانى ) 1951 فى
صحيفة ( الديلى تلغراف ) هو صوت السر ليونيل هاروث المسؤول البريطانى المقيم فلى
الخليج سابقا ، يقول إنة لا بد أن تعى بريطانيا أن إهمالها الخليج سيؤدى حتما إلى
التفوق الفارسى . وفى ذلك الوقت كان السر ليونيل يساوى بين السيد مصدق وإمكان
السيطرة الشيوعية . وصرح قائلا : ( إن النفوذ الفارسى لا يمكن إحتمالة إذا كنا نحن
البريطانيين لا ننقذ آسيا من الشيوعية ).
كانت الصورة مشوشة بالنسبة لأى شخص يراقب
الأحداث وهو فى مقعدة . ( لم يكن للشيخ زايد غير مقعدة ) وقد تشكلت فى العام 1950
قوة بدافع من بريطانيا لتكون نواة للدفاع و( حفظ السلام ) بين القبائل وشكل (
مجلس متصالح ) . فى العام 1952 فكان من البدائيات لأسس الديموقراطية ، يلتقى فية
الحكام المحليون وقدمت بريطانيا المال للتدريب الزراعى والفنى .
وقد
إعتبر الشيخ زايد أن كل ذلك خطوة مشكورة ولكنها غير كافية . ولكن ماذا كان فى
إمكانة أن يفعل ؟ كان يمكنة فقط أن يقوم بواجباتة ويحضر إلى المجلس ويمارس
الرياضة ويهتم بتشجيع الحفريات الأثرية أو أى شىء يساعد فى الحياة المحلية
وعندما يحل الظلام فى العين ، كان يعد إلى أحدث الصحف المتوافرة من بيروت والقاهرة
والكويت وكان يستمع إلى إذاعة القاهرة . كما كان يشهد أحيانا أفلاما عربية فى عرض خاص بة مستخدما المولد الكهربائى الوحيد
الموجود فى المنطقة .
وكان شقيق الشيخ زايد يقوم بزيارتة أحيانا فيقيم معة كلما جاء من أبوظبى حيث الحرارة
خانقة على الساحل . وكانت علاقاتهما جيدة . ولا حظ الزائرون كيف يساعد الشيخ زايد أخاة الشيخ شخبوط ويرجع
إلية فى كل أمر ، فقد كان مواليا لة ولاءا تاما .
وكان الشيخ زايد يقوم فى
إستمرار برحلات قنص تدوم أسابيع تاركا شؤون الإدارة فى منطقتة لإخية الشيخ خالد
. وكانت خيام الشيخ زايد تشاهد بعيدا فى الصحراء وإلى جانبها أربع أو خمس سيارات
وصهريج مياة ، بينما كان الصيادون ومعهم الصقور يجولون فى الكثبان الرملية
المجاورة ، منادين هذة الصقور بأسمائها ، مدربينها على طاعة صاحبها لدى سماع صوتة
. هكذا كانت تمر الأيام أما عندما لم يكن الشيخ زايد يذهب إلى الصيد أو تسلق
الصخور الحادة فى سلسلة جبال حفيت بين عمان وأبو ظبى ، فقد كان يقضى أيامة فى
حفرالأبار وتحسين نظام مياة الفلج فى واحة البريمى ، وفى إنشاء المبانى بما
فيها سوق العين التى هى مصدر إعتزاز خاص .
وعندما كان حاكما محليا أثبت انة
ديبلوماسى بارع . إذ نادرا ماأخطأت قدمة مهما تكن المناسبة ومهما يكن التحدى ومن
الإعترافات الكثيرة بميزات ديبلوماسيتة البدوية إعتراف النقيب أنتونى شبرد ، عندما كان مسؤلا عن الكشاف المتصالح فى العين . كان نصف مرؤوسى النقيب شبرد من
قبيلة الشيخ زايد وقد وصفهم هذا النقيب البريطانى بأنهم أكثر الجنود إباءا ومن
أفضل الجنود الذين رآهم . وكانوا يقيمون فى حصن الجاهلى الذى يشبة قلعة رملية فى قلب الواحة والذى إذا أمطرت السماء وهذا نادرا مايحصل ، يكاد أن ينجرف .
وقال هذا النقيب نفسة فى ما بعد عن الشيخ زايد فى كتابة ( مغامرة فى الجزيرة
العربية ): ( كان رجلا يحظى بإعجاب وولاء البدو الذين يعيشون فى الصحراء المحيطة بواحة البريمى وكان بلا شك أقوى شخصية فى الدول المتصالحة وكنت أذهب
إلى زيارتة أسبوعيا فى حصنة وكان يعرض على عادة وضع السياسة المحلية فى أسلوب
ممتاز . وإذا دخلت علية بإحترام خرجت بإحترام أكبر . لقد كان واحدا من العظماء
القلة الذين إلتقيتهم وإذا لم نكن نتفق دوما فالسبب هو جهلى وتذمرى أكيد ).
وربما كان امثال النقيب شبرد خدموا بريطانيا أفضل مما إستحق صانعوا السياسة
فى وستمنستر ، فقد ترك إرثا من حسن السمعة للبريطانيين من الأجيال القادمة ،
فكان مثالا للإستقامة وإحترام القانون .
إلا أن جميع القادة البريطانيين فى
المنطقة ربما يجدون فى الشيخ زايد صنوا وندا .
حدث مرة أن شيخا مسنا وذا مركز
ثانوى فى إمارة أخرى تعرض للإغتيال على يد ثلاثة أخوة ، كان هذا الشيخ قد قتل
أباهم قبل عشر سنوات ، ثم فر الثلاثة وذهبوا فى إتجاة نقطة إلتقاء الحدود بين
عمان وأبوظبى والعربية السعودية فى واحة البريمى . وصدر أمر سريع باللاسلكى من
قاعدة الشارقة إلى النقيب شبرد فى حصن الجاهلى بملاحقة الأخوة الثلاثة .
وإنطلقت الكشافة المتصالحة فى سيارات اللاندروفر والدراجات النارية بحثا عن
الشيخ زايد الذى كان مع قواتة فى الصحراء .
فالأنظمة تقضى بتعاون الشيخ زايد قبل
تصعيد الملاحقة لأن الكشافة المتصالحة لم يكن غرضها القيام بدور ( الشرطة )
المحلية بدون إذن الحكام المحليين .
وإستقبل الشيخ زايد فى خيمتة النقيب شبرد
بلطف بالغ . فقد كان على إستعداد للتعاون ضمن حدود سلطاتة طبعا وما حصل بعد ذلك
كان عبارة عن درس فى الديبلوماسية من الشيخ زايد الذى لم يكن راغبا فى إستبعاد
نفسة عن إخوانة بالتخلى عن أى أخ وقت الصعوبات ومع ذلك إحتفظ بقدر مساو من
الرغبة فى ألا يكون فظا تجاة زائرية أو أصدقائة . ووجد الناس أنفسهم فى مثل
هذة الظروف ضحايا سهلة لسحرة الهادىء دون معرفة السبب . وسرعان ماوجد النقيب
شبرد نفسة مكرما بالقهوة فى صورة متواصلة ومستمعا فى هذة الأثناء لقصص الشيخ
زايد عن أخر رحلات القنص التى قام بها ، ولأسئلة عن لندن وباريس وإستفسارات عن
تحسن لغة النقيب العربية . ومرت الساعات ثم أشار الشيخ زايد إلى مرور الوقت
وإستأذن الحضور لأنة أراد العودة إلى زوجتة التى كانت تنتظرة بفارغ الصبر فى
خيمة سوداء مجاورة . وبات الوقت متأخرا جدا للقيام بأى عمل فى شأن الفارين
الثلاثة الذين لا بد أنهم عبروا الحدود فى هذا الوقت . وروى النقيب شبرد القصة
فى ما بعد قائلا : ( لقد شعرت بأنة لم تكن لدى الشيخ زايد رغبة كبيرة فى إلقاء
القبض على الفارين الثلاثة الذين لم يفعلوا إلا الحق فى نظر العرب . لقد حافظوا
على شرف عائلتهم . أما بالنسبة إلى الشيخ زايد فقد تحرك تحركا صحيحا وهدأ الوضع
عن طريق التأجيل والمماطلة . وبالقدر نفسة كان مصيبا فى شأن إستخدام الجنود
عندما كان البريطانيون يرغبون أحيانا فى قمع حركات تمردية فى عمان أو مناطق
أخرى . وكان يحتج فى إستمرار إحتجاجا شديدا وصحيحا على إستخدام هذة القوات .
ومع ذلك فقد قال لى : ( لقد إحترمت البريطانيين دوما . فقد فهمنا بعضنا فهما دقيقا
) . وقد إكتسب الشيخ زايد سمعة حسنة بين الكشافة المتصالحة على أنة رجل مرح
وساخر ، وهذا ما وجد نفسة فى حاجة إلية فى الظروف التى كانت تواجهة . فكان علية
أن يبدو محافظا على إحترام مقتضيات الكرامة . كما كان علية من ناحية ثانية أن
يكون مرحا مع الممثل السياسى البريطانى ومع قائد القوات المتصالحة فى العين وأن
يساعدهما فى القيام بعملهما الحساس فى الوقت الذى يحمى أتباعة البدو من أى
ضابط مبالغ فى شدتة وكان علية أيضا أن يتحمل بطيبة وولاء دارة أخية المفترة جدا
، هذا التفتير الذى قيل عن دافعة أنة سياسة وطنية مخلصة من جانبة . لقد كان
وضعا يحمل الشيخ زايد دوما على المزاح المرح الطيب كما قد ينهك أى رجل يقل عن
الشيخ زايد فهما للطبيعة الإنسانية . وقد كتب السيد ويلفرد تينر غر كتابا بعنوان
( رمال فى الجزيرة العربية ) أصدرة بعدما زار المنطقة وسجل فيها إنطباعة عن
الشيخ زايد بقولة ( إنة رجل قوى البنية فى الثلاثين من عمرة تقريبا . لحيتة
بنية . ينم وجهة عن ذكاء شديد عيناة ثاقبتان مزاجة هادىء رصين يتميز عن رفاقة
بعقالة الأسود وطريقة إرتدائة عباءتة التى تغطى كتفية بدل من أن تلف رأسة
بالطريقة المحلية . كان يحمل خنجرا وجنادا وبندقيتة ملقاة على الرمال إلى جانبة
. لقد رغبت فى لقائة لأن سمعتة كبيرة فى أوساط البدو الذين أحبوة لمعاملتة
السهلة غير الرسمية وصداقتة وإحترموا فية قوة شخصيتة وذكاءة وقوتة وقالوا عنة
فى إعجاب :( زايد بدوى يعرف الجمال ويمتطيها مثلنا ويستطيع أن يطلق النار ويعرف
كيف يقاتل ) . وكان من مهمات الشيخ زايد جمع الزكاة عن محصول التمر فى العين وفى
ثلاث قرى اخرى فى واخة البريمى . ولم يجمع الزكاة عن التمر فى قرية ( المويقع )
حيث كان يعيش هو ، لأن المنتوج ملك قبيلتة . وكان يجمع الضريبة عن الماء من جميع
الذين يستفيدون منة عدا الأسرة الحاكمة . وكل من يأخذ الماء من الفلج كا ن علية أن
يدفع شيئا ما مقابلة .ومياة الفلج تسير فى قنوات فى باطن الأرض على عمق أربعين
قدما وتنقل الماء الى الواحة من التلال البعيدة . وتقوم قبيلتان عمانيتان بتنظيف
هذة القنوات وهما متحصصتان فى هذة العملية منذ قرنين . وكان لا بد من دفع الضريبة
لتحصل القبيلتان على اجرتهما .ويساعد زايد مزك ( جابى الضريبة ) وعرفاء (يجمعون
ضريبة الماء ) . أما فى شؤو ن القضاء فكان يساعدة قاضى .
أما
سر حسن قيامة بعملة فمصدرة يعود إلى مزاجة المرح أبدا فهو لم يبالغ فى الجدية فى
أى أمر وكان ينفخ نفسا من الحياة والمرح فى كل عمل. وقد وصف العقيد هيو بو ستيد ،
الممثل السياسى البريطانى الذى عرف كيف كان الجميع يعانون جوالبخل الشديد السائد
فى البلاد مدى حزن زايد بعد ما رفض الشيخ شخبوط خطة زراعية أعدت قال بوستيد (دعا
زايد خبيرا باكستانيا مقتدرا هو السيد أ.ه. خان ودفع لة من حسابة الخاص ليقوم
بالعمل ) إلا أنة لم تكن هناك موازنة للخطة وعلق المشروع فى النهاية . ولحظ العقيد
بوستيد أنة كان دائما معجبا بكرم زايد وطريقتة فى التغلب على المصاعب :( لقد دهشت
دائما من الجموع التى تحتشد دوما حولة فى البريمى وتحيطة بإحترام وإهتمام يستحقهما
القد يسون كان لطيف الكلام دائما مع الجميع وكان سخيا جدا بمالة ودهشت على
الفور من كل ما عملة فى بلدتة بالعين وفى المنطقة لمنفعة الشعب وقد شق الينابيع
لزيادة المياة لرى البساتين وحفر الأبار وأنشأ مبانى بالأسمنت فى الفالوجات لكى
يستحم فيها الرجال والنساء . إن كل من يزور البريمى يلاحظ سعادة أهل المنطقة . إن
هذة الروايات تبدو شبيهة بالتملق والمداهنة الصادرين عن متملفين مداهنين لو
أنها لم تكن صادرة عن أناس مختلفين راقبوا صفات زايد فى كل الظروف وقد أوضح العقيد
بوستيد فيما بعد فى كتابة (ريح الصباح ) بأن زايد رجل مرموق حقا . وعندما جاء عالم
الأثار السيد جفرى بيبى لأول مرة إلى البريمى فى العام 1959 إجتمع إلى زايد ثم
وصفة قائلا :(طويل رقيق عريض المنكبين ، سيماؤة بدوية حقيقية تشبة الصقر . وقد
نزل إلى الشاطىء لصيام شهر رمضان وهو مقيم عادة فى الداخل حيث يحكم قرى واحة
البريمى لقد كان إسمة سحريا ، فهو قناص قوى صحراوى شهير ) وقد أعرب السيد بيبى
فى كتابة حول عملة فى الخليج العربى عن إمتنانة للتشجيع الذى لقية من الأخوين
زايد وشخبوط . وقد نشر الكتاب تحت عنوان (بحثا عن دلمون ) قام السيد مارتن
بكماستر فى أوائل العام 1952 عندما كان أنذاك شابا ومسؤلا سياسيا بريطانيا فى أبو
ظبى ، برحلة إلى مناطق الحدود بصحبة زايد دامت شهرين وإستطاع بكماستر أن يراقب
زايد فى كل الظروف فقد رأة يحقق ويمارس العدل وشهادة فإن زايد رجل رابط الجأش
طيب المزاج يتمتع بخلق متوازن ولا حظ بكماستر أن الشيخ زايد رجل يتميز بالبساطة
وذكرة سلوكة بما كتبة ت.أى. لورنس فى دقة فى كتابة ( أعمدة الحكمة السبعة ) عن
تقاليد مضارب البدو وشيوخهم فى الصحراء :( لا فوارق تقليدية أو طبيعية بين العرب
عدا القوة اللا شعورية التى تمنح إلى شيخ شهير بفضل إنجازاتة وقالوا لى إن
الرجل لا يمكن أن يكون زعيما لهم إلا إذا أكل أكلهم ولبس ملبسهم وعاش عيشتهم
وبدا أفضل منهم فى ذاتة . ) . ويتذكر السيد بكماستر : عن هذة الرحلة بقولة :(
ربما كانت أخر قافلة جمال كبرى فى الجزيرة العربية . فقد كان يمتطى الجمال خمسة
وستون رجل إضافة إلى مئة وعشرون بعيرا تحمل المتاع . قضينا شهرين نجول فى مناطق
الحدود وفى كل القرى التى جئناها نحر الأهالى الذبائح فى إحتفالات ترحيبية
وأهم ما إنطبع فى ذهنى إحترامهم لزايد . وإتضحت شعبيتة وضوحا بارزا حيثما حل .)
لقد كان وقت الزيارة دقيقا وحساسا بالنسبة الى النزاع على الحدود، وقد تصرف زايد
في اتزان
ديبلوماسى مع الشوخ والقبائل، بل مع المنافسين الذين ربما كانوا يخططون للوقون ضده.
فهو لم يصبه
ابدا مرض بعض المقاوضين الذين يميلون الى الانحطاط بلغة الصدق والمصداقية في اثارة
توقعات وامال
لا
يستطيعون تخقيقها. وهو لم يزرع اوها ما شريرة ولم يثر اخقادا. وكانت القاءات
الرياضية والصخراوية
دائما، طريقة الشيخ زايد في معاجلة الأمور. فهو يعتبر شعبه ( شعب الجمل)، ويحب
الهجين الأبيض 0 وهو جمل السابق، طويل الأطراف نظيفها، ذو الرقبة الجميلة). ويعتقد
أن الهجين في اصله من الجمل السواري الهندي جيْ الى الجزيرة العربية من بلاد فارس
قبل قرون بعيدة، وهو يسبق الخصان في الركض
بأشواط. والتقية الشيخ زايد في مناسبة أخرى لا أزال أذكرها. كان مكان اللقاء على
بعد خمسين ميلا في قبل الصحراء، حيث جرى سباق للجمال. ذهبت وولدي وليم الى مكان
اللقاء المحدد في السيارة، وبعد ساعتين من السير عير الصخراء المتماوجة راينا فجأة
سيارة (المرسيدس) الكبيرة التي تقل الشيخ زايد وأربعة من ابنائه. وعرقت في ما بعد
أن سيارته قفت في مكان استراتيجي على بعد نصف ميل من نقطة انطلاق الجمال في سباقها
الذي كان سباقا عطيما. بعدئذ صرخ سائقنا معلنا أن الجمال اتية، فنظرنا الى الخلف
لنرى (فطارا) من الجمال القادمة في سرعة. وعلى جاني الجمال كانت على الأقل مئتا
شاحنة وسيارة، والبدو في داخلها يصرخون ويهتفون. وتجنبا لموجة هذا المد الذي لا
يقاوم، دخل سائقنا وانظاق في سرعة الي جانب ( مرسيدس9 الشيخ زايد عبر الصحراء،
مخلفين وراءنا هذا الاختفال الوةطني الكبير. كنا نرى من نافذة السيارة الخلفيى
الجمال تلحق بنا في سرعة 35 –40 كيلومترا في الساعة، والى جانبيها الحشد الهائل من
السياارات. وكانت الأطراف الأمامية للجمال تعلو وتهبط كمكابس ضخمة. كانت الجمال
ترتفع مثل السفن وعليها شبان فوق سروج خشبية. وفي هذه الأثناء صرخت في لاسائق( هل
نستطيع أن نسبقها؟) فرد صارخا: ( ان شاء الله.) عندها ارتفعت السيارة ثلاث اقدام
في الهواء فورتخطيها ضرسا صعيرا. ووسط قهقهات شيطانية أطلقها السائق وروفيقه
الى جانبه ارتفعت عجلات السيارة الأمامية مرة ثانية الى (السماء) وشعرت [بأن معدتي
سقطت. كادت السيارة أن تصطدم ب( السماء). وكان السائق بصرخ ويضحك في حس بخيج سعيد
باللامسؤولية. وكانت قدمه مستوية على دواسة البنزين غير مبال بطبيعة الأرض. فنظرت
غاشبا الى عداد السرعة لأجد مئشره مسمرا على السبعين كيلومترا في الساعة. وهي
سرعة وفجاة توفقنا وقد سبقنا الجمال، فما لبثت أن أدركت وضوح أننا وصلنا الى نقطة
النهاية. ثم توقفت سيارة الشيخ زايد وبعدها الجمال ، وامتزجت خطاها الان ، ووصل
الثلاثة الأول وعلى ظهورها أولاد صغار لم يتجاوزوا الثامنة ، وقد بالهم العرق
وتشعث شعرهم ، ربقوا في أماكنهم طهور الجمال ثابتين. هنا لم أر سروجا ، وقد علت
وجوه الصبيان البارقة ابتسامات عريضة. ان جمال السباق كبيرة نحيلة واسعة الخطوات ،
يلف بطنها حزام خاص. وهذه الجمال تغذى وتدرب وتدلل كثيرا. ولم يشارك الشيخ زايد في
السباق لخصب، بل كان على وشك المشاركة في مظهر من مظاهر ديموقراطية الصحراء.
اقترب رجل طاعن في السن. ثم تلاه صبي نخيل منقبض. وضع الرجل المسن أنقه على أنف
الحاكم في لطف ، فكانت القبلة. ثم تقدم هذا الرجل لمصافحتي وكذلك وليم. ولما هممت
لصافحته في شدة دفع صدره خلف جناده فشعرت بخندره المغمد ، ذي القبضة الفضية ،
بضرب معدتي. وبابتسامة هادئة جلياة انتقل الى وليم. وكان جنود الشيخ زايد في
الخلف يراقبون. ورأيت ثلاثة أو أربعة منهم ، مسدساتهم مدلاة من مناطقهم وعلى
رؤوسهم شارة الصقر. ثم جاء بدوي غلافا سميكا ابرزه للشيخ زايد فهز الشيخ رأسه
ونثر البدوى محتويات الغلاف على الرمل أمامنا، فاذا مئات الأوراق النقدية الخضراء
من الدنانير المرزومة رزما. وهنا خضر اباد الأولاد الثلاثة الذين كانوا على ظهور
الجمال الثلاثة الأولى في السباق ، وجلسوا القرفصاء في حلقة ينظرون الى الأوراق
النقدية الخضراء ويلقون بين الفينة والفينة نظرات سريعة براقة على الشيخ في
اعتزاز. وبايماءة ظهر الأولاد الثلاثة وتقدم الشيخ زايد وجلس على الرمل معهم ،
ثم أشار الي بأن اتبعه. وبعد السؤال ، قيل لي ان الجائزة الأولي قيمتها ألف دينار
بخريني والثانية ستمئة والثالثة خمسمئة. وفيما نحن جالسون وسط غبار الصحراء
احضر أحدهم المرطبات من بيبسي
كولا) ليموناضة) فتناول الشيخ زايد زجاجة ( بيبسي) وهز رأسة شاكرا وكذلك فعلت أنا
ووليم واباء الأولاد الثلاثة والرابحونز وكان الشيخ زايد يجلس في الغبار ويتحدث في
هدوء الجميع ومع كل واحد منهم، تاركا بذلك اثرا بالغا في ذهن الشعب لطفا
وديموقراطية. وهذا مشهد ناطر لم يكن لثمة شخص في العالم أن يراه ، فالشيخ لم يكن
ليستعرض ذلك في مناسبة رسمية. انما كان يتصرف كأب أو أخ مع اتباعه الصخراويين.ونشأت
بيننا جميعا صداقة خميمة ، وتقبل أحدنا الاخر قبلا بعيدا الى ابعد الحدود عن
القبلية أو المكان ، عن الشرق أو الغراب. لقد صافحني ووليم الجميع، أولادا كانوا
أم شيوخ قبائل أم رعاة رجالا عادين ، كأن أكثر الأمور بساطة في الدينا وجود رجل
يرتدي بدلة لندنية سوداء وقميصا عنق بقف وابنه
الي
جانب حاكم بلادهمز لقد كانت هذه طريقته النموذجية في تدبير الأمور وطريقته في
اللقاء.
|