سمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان / صقر الصحراء / المشهد المتلبد

 ( الفصل السادس )

استمرت أبوظبي معزولة في قوقعتها غير آبهة للجزء الأكبر من القرن العشرين .. إلا انه في يوليو ( تموز ) وردت أنباء مدهشة عن صدامات بين الجنود البريطانين والقادة القومين في البحرين، البعيدة بضع مئات الأميال عن أبو ظبي ز ونتيجة الضغوط التي تلت ، شعر المستشار البريطاني الحاكم السر تشارلز بلغريف ، وكان مستشارا قديرا ، بأن دقة الوضع قد تخف اذا ترك منصبه في وقت باكر. وكانت هذه أولى مفاجات كثيرة تعاقبت في ما بعد. كانت أسباب الصدامات ديناميكية، وكانت هذه الصدامات بمثابة أمواج امتدت فجأة الى ضفاف بركة مياه لم تعرف الاضطراب في السابق ، غير أن شخاصا ألقي حجرا ضخما في وسطها هذه المرة. فقد أمم الرئيس المصري عبد الناصر قناة السويس يوم التاسع والعشرين من يوليو ( تموز) 1965 ، ردا على رفض الولايات المتحدة الأميركية مساعدته في بناء السد العالي في اسوان. وهكذا باتت كل أيامنا التالية مختلفة. ان ما شعر به البعض من عدم اهتمام بريطاني متزايد بالمنطقة، عكسته رسائل ظهرت في ( التايمس) بتاريخ الثامن والعشرين من أغسطس (اب) 1957 وكانت تناقش امكان ( اهداء) المشيخات المتصالحة الى السعودية ، ( لكسب عطف الملك سعود ). وكان هناك ، طبعا، نزاع طويل بين أبو ظبي والعربية السعودية في شأن مستقبل واحة البريمي التي هي جزء من ولاية زايد. وقد كتب السيد و. م. بالانتاين في ( التايمس ) في (التايمس) في عشر من سبتمبر ( أيلول) 1957 ، في رسالة له من البحرين بلهجة شديدة الكآبة: (لقد كان واجبا، منذ مدة طويلة ، أن تحل الصداقة الحقيقية والتفاهم محل السفينة الحربية البريطانية في الخليج. ويجب أن يسعى ممثلون السياسيون المخليون بنشاط وصراحة لتوجية العرب في دول الخليج ، هؤلاء العرب التقدميون فكريا , والذين هم على استعداد لتقديم آرائهم الصادقة , التي ربما تكون كريهة . وما لم يحدث تغير جذري في سياستنا ( البريطانية ) فإننا سوف نفقد النفط وكل نفوذنا في المنطقة ,, .
وشهد اليوم العاشر من يونيو ( حزيران ) 1958 زيارة قام بها السيد كريستوفر سومز وزير الحربية في حكومة المحافظين , لطمأنة القوات البريطانية في الشارقة . ولو خطر لشيوخ الساحل المتصالح , التساؤل , بتحريض من إذاعة القاهرة , عن قيمة السيطرة البريطانية على الخليج , فإن تساؤلهم هذا أو شكهم يزول عندما يذر النزاع على واحة البريمي , بين العربية السعودية وأبوظبي , قرنه , ثم لا يلبث أن يهدأ موقتا عن طريق المفاوضات البريطانية .
إن واحة البريمي هي موضع تجاذب وأخذ ورد . فقد تعرضت في تاريخها للاحتلال من قوى عدة مجاورة لها . إذا منذ طردت منها في العام 1869 القوة الوهابية الغازية , تم الإتفاق على تقسيمها عمان وأبوظبي . وكان في هذه الواحة تسع قرى إحداها قرية العين وهي قرية الشيخ زايد الذي حكم ست قرى بإسم أبوظبي .وقد أثيرة فضية البريمي ، فعلا، مرة ثانية في أغسطس (اب) 1952 ، عندنما احتلت جماعة سعودية من أربعين شخصا فجأة احدى قرى الواحة وكانت حجة البريطانين أن المطالبة السعودية مبنية على مزاعم طواها الزمن ، اذا يدعون أنهم احتلوا الواحة في النصف الأول من القرن التاسع عشر. والواقع أن السعودية كانت ترغب في الوصول الى البحر، واحتلال هذه الواحة يتيح لها تحقيق هدفها الوصول الى الخليج والمحيط الهندي. وتحرك النزاع ولكنه لم يشتعل. وعندما كان زايد التاسعة ولالثلاثين من عمره في العام 1953 ، قال السيد سلوين لويد وزير الخارجية البريطانية، أمام مجلس العموم بلهجة خفيفة، ان بريطانيا لم تزل تؤيد ظبى في النزاع على البريمي. وأعرب السيد لويد عن شعورة بأن أي (غزوات ) سعودية. على حد تعبيره، انما هي لمجرد ( التأثير على الولاء التقليدي للقبائل وتوسيع امتداد النفوذ السعودي). وكانت سرت رواية، ذكرها عالم الاثار جفري بيبي ، مفادها ، أن العربية السعودية عرضت على الشيخ زايد مبلغ عشرة ملاين دولار ليتغافل عن ( غزوهم) الواحة. وعلى العكس، فقد ساعد في العام 1955 الكشاف العماني المتصالح على طردهم بعد انهيار المفاوضات في جنيف، حيث عرض النزاع بين بريطانيا ، كقوة حامية ، والسعودية ، على هيئة تحكيم. ومهما كان رأي السيد لويد حول البريمي، فقد كانت ثقة حكومته في سياستها الخارجية في الجزيرة العربية في طور الاهتزاز . كانت كالماته ، مضافة الى خطوات أبو ظبي كافية لا حتواء المطامع السعودية في البريمي ن وهذا ما يسعد الشيخ زايد. ولكن ماذا عن الغد ؟ هل تستطيع بريطانيا نفسها ، على المدى الطويل ، أن تتنازع والعربية السعودية؟. أما في الجنوب ، وكانت عدن احذة في التدحرج الى الفوضى ز فقد فشل البريطانيون في موقفهم الأخير في ظل الحاكم البريطاني السر وليم لوس. وبلغ الثمن النهائي لذا لك الفا وخمسمئة قتيل وجريح من البريطانيين والعرب في أربع سنوات. وأصبح الفشل في عدن فتيل تفجير الوضع في الحليج. الا أننا يجب أن نتعلم دروس التاريخ ، فلا فائدة في توزيع اللوم، بل انه مستحيل فعلا. ففي أيام المد التوسعي يبدو الجميع أبطالا ، وفي ظل صعوبات التراجع 0 الذي اصبع ضرورة بريطانية ، جزئيا) يبدو الجميع حمقا. وقد قال لي صديقي جيمس غريفيش ، وزير المستعمرات السابق في حكومة العمال، عندما زارني في بيتي في ويلز في العام 1960 ، وهو محق بالفعل ، انه ( لم يبق في الخليج العربي شيء الى جانب بريطانيا. بقي لنا فقط أرض مستأجرة ومشكوك فيها). وفي امكاننا أن تأخذ راي السيد مايكل ادمس ، مراسل ( الغارديان) في القاهرة، سابقا ، والذي يدير الان اعلام مجلس تعزيز التفاهم العربي البريطاني، ويرئس تحرير مجلة ( ميدل ايست انترناسونال ). قال ادمس: (بعد السويس برزت حركات معادية لبريطانيا في العراق والأردن وعدن والخليج ، حيثما كانت لنا حاميات عهسكرية. وبالنتيجة فانه كان لا بد من ذهاب جميع هذه الحاميات قبل عشر سنوات الوقت الذي ذهبت قيه). وفي قدر مواز من الصراحة، قال السيد هارولد مكميلان وزير الخارجية البريطانية في ذلك الوقت لوكيل وزارته: (ان هذا هو عصر ديو كليسيانوس ونهاية الامبراطورية). في كتابه 0 انشقاق أمة) كتب السيد راسل برادون يقول ان السيد هارولد ما كميلان كان بدأ ينظر الى أوروبا وليس الى الامبراطورية. أما السيد دين أشيسون ، ناظر الخارجية الأميركية ، فقد قال عندما كان ينظر الى دول الكومونولث المستقلة بعد الحرب العالمية الثانية: ( لقد فقدت بريطانيا امبراطورية ولكنها فشلت في ايجاد دور ). وحتى في الأوساط المقربة من العائلة المالكة ذاتها، كان هناك واقع جديد. فقد قال اللورد مونتباتن: ( في العام 1955 ، بعد مضي عشر سنوات فقط على الحرب العالمية الثانية ، كانت بريطانيا لا تزال تملك مركز قوة عظمى ). ولم يدم ذلك المركز خمس سنوات أخرى. بالنسبة الي ابن عائلة حاكمة ، فقد كان اتصال الشيخ زايد بالغرب، في سني حياته الأولى ، اتصالا شئيلا. فقد برحلته الآولى الى الخارج ، في العام 1953 ، الي بريطانيا. ةعندما سألته عن هذه الزيارة تذ كرها في وضوح ، وأكثر ما تذكر الفارق بين ما وصفه ( روح) زيارته الأولى وروح زياراته الكثيرة التالية، بعد ما نالت أبو ظبي ( حريتها) من نظام المحميات وأصبحة مستقلة: ( رغم كل شيء، لم نكن خلال زيارتي لبريطانيا غير محمية، مستعمرة؟ ). وتابع الشيخ زايد قائلا: 0 كانت لدى بريطانيا فكرة ضئيلة عما يمكن أن يصبح الخليج ، عندما يصبح مستقلا ويلعب دورا في المنطقة العربية ككل. وان ما في ذاكرتي هو الفارق الحقيقي بين الحالة الذهنية قي بريطانيا العام 1953 وبريطانيا التي أزور اليوم في العام 1973. اليوم علاقاتنا جيدة. نحترم الان بعضنا. اليوم توجد منافع كثيرة نتيجة التفاهم المشترك). وبدا ، بعد العام 1953 يتلمس طريقه الى العالم الخارجي في حذر، فزار الولايات المتحدة الأميركية ولبنان والعراق ومصر وسوريا والهند وايران. وعندما كان الشيخ شخبوط حاكما على البلاد رافقة شقيقه الشيخ زايد رحلة الى باريس ، بدعوة من احدى شركات النفط ، وكان في خلالها الأخوان يرتديان زيهما الوطني كاملا مع خنجريهما. ولم تفارق الدهشة الشيخ زايد ابدا طوال اقامته في باريس. صعد الى قمة برج ايفل ونزل بخطى فارس الى ساحة الاليزية مرتديا الكوفية والعقال. وزار أكبر المتاحف وقرر في ذهنه. ان بلاده قد تشهد يوما مثل هذه المتاحف على ارضها. ثم رأى الصحف واعتفد أن بلاده سوف تكون لها صحفها يوما، ايضا. كان يرقب ما حوله في اخلاص وصدق وبلا أوهام. وشهد زايد المستشفيات الفرنسية الكبيرة ، وهو يتذكر أطفال أبو ظبي الذين يعانون سوء التغذية في مهادهم الصحراوية، في ظل ظروف لم تتفير منذ قرابة 2000 عام قبل الميلاد ، تغطيهم من الذباب وعدوي الدمامل فطعة قماش سوداء يسمونها المالمل. وكان يعرف أن أطفال أبو ظبي يعطون الحليب بالصدف البحري ، بحيث ترتفع نسبى الموت بين الأطفال ، نتيجة العدوى ، ألف مرة أكثر منها في باريس. وكان يعرف أن عملية الختان في بلاده تتم بطرق بدائية وغير صحية، قبل أن يبلغ الأولاد سن السابعة. وفكر زايد كيف ، ومتى ن تصل نعم التقدم الى بلاده. فأخوه شخبوط كان يعتقد أن أضل درع واق للإسلام من القرن العشرين هو أل إقطاعية الغامضة الحذرة. وبدل ( البنيسلين) لا يزال أهالي أبو ظبي يستعملون مواد حيوانية لمداواة الجروح والقروح في جلودهم. وبعض نسوة نبي ياس يستعملن حجبا صغيرة فيها ايات من معلقة في عقودهن دفعا للحسد والعين الشريرة. ولا يسمح لرجل ، يعتبر ( غير طاهر) لسبب من الأسباب) في بعض المناطق،
 بحرث الأرض أو نثر القمح لدرسه. كما يستعمل سماد الخيل لمعالجة الحمى أو كمسهل. أما الشخص المصاب بطعنة سكين فقد ينكأ جرحه ويوضع فيه دبس ، بلغت حرارته درجة الغاليان، لتطهير الجرح الذي يربط بعد ذلك ربطا شديدا. أما البدوي الذي يعاني بعض أمراض الدم فيعالج بالفصد ، حيث يوخز جلده بسكين محمية على النار، ثم يؤتى بقرن لامتصاص الدم. أما المريض الذي لا علاج له لديهم فيحجر وحيدا في خيمة، قد نصف ميل عن المضارب، ويزود بالطعام أسابيع عدة.
ويقولون ( ان شاء الله يشفى ). أما في المزارع فلا يزال المحراث التقليدي قيد الاستعمال منذ نحو ألفي سنة، وهو عبارة من سكة خشبية ، طولها أربعة أقدام ، وفي رأس حجر صوان عرضه انش وطوله انشان وله حد مثلم تثليما سطحيا. كان هذا هو الواقع لدى تدفق النفط من حقل جديد في أبو ظبي ، في أبو ظبي في الستينات ، بواسطة شركة أبو ظبي للمناطق البحرية ( التي تملكها شركة البترول البريطانية شركة البترول الفرنسية) ، هذه المادة التي كانت قد أدارت التراكورات الغربية بحيث ازدادت طاقة الانتاج الزراعي البريطاني ثلاثة أضعاف خلال عقد من الزمن. وفكر الشيخ زايد: كم من الوقت ستبقى الأمور على حالها في أبو ظبي؟ لقد أراد معالجة المشاكل التي تواجه شعبه بكل قوة وربما بقوته الجسدية أيضا ولكنه لم يستطع. وكان زايد يتساءل في استمرار: لماذا لا نستطيع أن نجعل من هذا المكان بعضا من الجنة؟). وقد انطبعت في ذهنه صورة الجنة منذ طفولته ، كما وصفها النبي محمد (ص) ففيها نخيل ورمان وينابيع وجنات تجري من تحتها الأنهار ....). لماذا لا يعرف الانسان الى أين وأي مجتمع يريد؟ وقال لي الشيخ زايد : لا شيء في القران يتعارض والتقدم). وكان الشيخ زايد يلتقي ، من وقت الى اخر ، الممثل البريطاني المقيم في أبو ظبي. وتميزت علاقتهما بالاحترام المتبادل. ولكن أبو ظبي لم تؤرق أي رجل دولة في لندن وكانت عبارة عن نفط وصحراء. لقد قاتلت، في هذه المنطقة ن كل الأساطيل الحربية التابعة للدول الغربية تقريبا، على مدى قرون من الزمن ، الى أن وطدت بريطانيا سيطرتها . ان حماية بريطانيا بضعة الاف من الأميال المربعة من الرمال في عمق الخليج، ربما خلقت أناسا مثل الشيخ زايد، بل اخرين مثل عبد الناصر ( لم تكن التحذيرات من امكان ( استعمار) الا أن الشيخ زايد عندما فكر في الأمور ، كما قد تحصل ونظر اليها نظرة واقعية حتى في منطقة حكمه هو في ظل سياسة التقتير الشديد اصيب برعشة باردة من الكابة. الا أن التعاليم والمباديء والتجارب الغربية( حتى تجربة القومية والاشتراكية العربية المتنامية ن اذ زار هذه البلدان وتبادان وتبادل الرسائل مع عبد الناصر) لم تربكه مثلما كان الحال بالنسبة الى أخيه الشيخ شخبوط فقد قال لي الشيخ زايد: لقد شعرت بان افضل ما في التقدم المادي في الغرب هو حق إسلامي أيضا). وان التجربة والتكنولوجيا والتربية هي في اختصار المواد الأساسية للتطور. ولكن كيف نخمل هذه الرسالة الى ابو ظبي؟. ان هذا يتطلب نضالا ، وهذا النضال يتطلب بدوره كل ذكاء تاجر اللؤلؤ وكل الذكاء التكتيكي لقناص الغزال وكل ايمان المؤمن. في هذه الأثناء كان العالم يسير قدما وكان الزمن يمتر ولم نكن هناك من يأبه.

 

كافة الحقوق محفوظة لشبكة الرحال الإماراتية