سمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان / بقوة الاتحاد ـ القائد والدولة / عصر عاصف وفرسان شجعان

 كانت المهمة الرئيسية الملقاة على عاتق الشيخ زايد بن خليفة هي التصدي للأخطار التي تهدد وحدة أراضي أبوظبي

 يمثل كتاب (بقوة الاتحاد ـ صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان ـ رحمه الله ـ القائد والدولة) نقلة نوعية في تناول أدوار الزعماء والقادة الذين صنعوا أحداث التاريخ لجهة التأكيد على الخصوصية بمختلف أبعادها ( التاريخية والدينية والثقافية والمجتمعية إضافة إلى القبلية) ضمن رؤية علمية غير غارقة في التبجيل ولا التعظيم ،ولكنها في الوقت ذاته معترفة ومشاركة ومقدرة عبرعمل بحثي علمي موثق لأفعال ومواقف المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان ''رحمه الله''، خصوصا عمله الوحدوي المتعلق بقيام دولة الإمارات وبمشاركة واعية من إخوانه حكام الإمارات

 لقد بدأ هذا الكتاب فكرة ثم تحول إلى مشروع وهو بين أيدينا اليوم مرجع ـ لا غنى عنه ـ للباحثين والمؤرخين والسياسيين والكتاب، بل لكل القراء والمحبين للقائد الراحل الذي شكل علامة دالة ومميزة في تاريخنا المحلي والخليجي والعربي والإسلامي والعالمي أيضا ، ومن هنا جاءت طبعته الإنجليزية حتى لا يظل الكتاب حكرا على القارئ العربي ، لأن الشيخ زايد قائد عالمي، وهذا نجده موثقا وباعتراف واضح من زعماء العالم ومؤرخيه ، لذلك فهو لا يكتفي بالحديث عن الماضي والحاضر،إنما يتجه صوب المستقبل، وهذا يدفعني إلى اعتباره ''كتاب الأجيال'' ·

 من ناحية أخرى فإن أهمية الكتاب جاءت واضحة في تقديم '' الفريق سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي'' إذ أبدى سموه تحمسا لفكرة الكتاب حين عرضها عليه مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية، حيث كتب : ''تحمست للموضوع كثيرا ، ويعود ذلك لعدة أسباب أولها: إن الرؤية التي طرحت علي كانت رؤية جديدة تتبنى منهجا علميا موضوعيا وجادا في كتابة سيرة حياة الوالد القائد، مما سيميز هذا الكتاب عن غيره من السير الذاتية الأكثر شيوعا، كما سيعتمد المعايير الأكاديمية الموضوعية والمنهجية العلمية من أجل تقديم رصد موثوق لحياة الشيخ'' زايد'' وإنجازاته، ذلك القائد الذي امتزج تاريخه بوطنه الذي يعود إليه الفضل بعد الله تعالى في انتقاله من مجرد فكرة إلى حقيقة واقعة ننعم بها جميعا''·· كما أضاف في التقديم نفسه : ''يمثل هذا الكتاب بحق مساهمة تأتي أهميتها من واقع تركيزها على قضية الوحدة التي طالما شغلت المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد - رحمه الله- ، كما يبين الكتاب التفكير السياسي عند الشيخ زايد ، وما يتصف به من حذق ووضوح ، وهو الأمر الذي يستشف من كلماته وحديثه ، وكذلك في كلمات معاصريه الذين عبروا عن رأيهم فيه حينئذ لتبقى آراؤهم حبيسة الأرشيف سنوات عديدة'' ،وأحسب أن هذا الكتاب قد تميز بالفعل عن الكتب السابقة عنه بالمعلومات الموثقة، وباتباع المنهج العلمي والتحليل ، وبذلك ثبت صدق رؤية ''الفريق سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهان ولي عهد أبوظبي''

 يقع الكتاب الذي بين أيدينا في ثلاثة أبواب حمل الأول عنوان '' التراث '' وفيه جاء الحديث ـ ضمن ثلاثة فصول ـ عن القبيلـــة العربيــة و''عصر عاصف'' وممثل حاكم العين، في حين حمل الباب الثاني عنوان ''التحول ''، واشتمل على ثلاثة فصول أيضا وهي حتمية التغيير ومبايعة حاكم جديد وبناء أبوظبي جديدة ، أما الباب الثالث والأخير فقد حمل عنوان ''الاتحاد''، واشتمل على أربعة فصول هي : مولد دولة ، وبناء الدولة، والدفاع عن الدولة والمحافظة على منجزاتها ،و'' بقوة الاتحاد'' ،وللعلم فإن الكتاب من إصدارات مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية، المعروف بدراساته وبحوثه المتميزة ·

 يأتي عرض'' بقوة الاتحاد '' على صفحات جريدة ''الاتحاد'' في ست حلقات وفقا لطريقتها الخاصة في عرض الكتب ، معتمدة على التركيز مع الإيجاز، وتقتضي الأمانة قبل بدء العرض توضيح ثلاث مسائل أساسية، أولها: إن هذا العرض لن يكون بديلا بأي حال من الأحوال عن قراءة الكتاب كاملا، وثانيها: تبعا للقضية الأولى فإن العرض تم بتصرف مراعيا في ذلك المساحة المتاحة ومتطلبات قارئ الجريدة، ما يعني ضرورة العودة إلى الكتاب، يضاف إلى ذلك أنه لم يتم عرض الوثائق والهوامش وهي من الأهمية بمكان ، وهذا بسبب خضوع العرض لمتطلبات النشر في الجريدة ، وثالثها: إن ما يقدم في هذه الحلقات هو مجرد اختصار - مبرر- للأفكار الكبرى التي يحتويها هذا الكتاب، وبما انه كتاب أجيال ـ كما ذكرت في البداية ـ فمن الضروري تداوله ووجوده في كل المكتبات العامة والخاصة، بعد أن تبين لنا ـ وسيدرك القارىء الكريم بالعودة إليه ـ أنه يكشف عن كــثير من القضايا والمواقف الخاصة بالقائد الراحل، ويجيب عن كثير من التساؤلات المطروحة على مختلف الصعد التاريخية والسياسية والقبلية والحضارية، وفي ذلك فليسع كل منا إلى الحكمة عله يحصل عليها، ومن فعل ذلك فقد أوتي خيرا كثيرا، خير للأجيال الراهنة والمستقبلية، وفي ذلك تأكيد وتفعيل واستمرارية وتذكير بأفعال المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد (رحمه الله).

 نواصل هنا عرض الكتاب مركزين في هذه الحلقة على دور زايد الكبير وظهور مدينة ابوظبي، وبذلك نكشف عن الميراث القبلي والسياسي والمناخ الذي نشأ فيه المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله ، وفيما يلي نص الحلقة:

 هناك عدة روايات حول نشأة أبوظبي؛ تقول إحداها: إن شيخاً أو رجـلاً من آل نهيان، الأسرة التي تتزعم بني ياس، رأى ظبياً يشرب من بئر ماء عذب في إحدى الجزر القاحلة التي تجاور ساحل الخليج، وهناك رواية أخرى تقول إن صياداً من آل نهيان كان يطارد ظبياً حتى اصطاده، ثم راح يبحث عن منبع ماء ليطفئ ظمأه، وما أن وجده حتى فوجئ بأنه جاف، وفي نهاية الأمر مات الصياد والظبي عطشاً· ولعلنا نستشف معنى عميقاً من الروايتين اللتين تناولتا نشأة أبوظبي، حيث يبدو بوضوح أن فيهما موضوعاً مشتركاً، ألا وهو الأهمية الحيوية للماء بالنسبة إلى سكان الصحراء· والمعنى المقصود في الرواية الأولى هو أن الماء يجلب الحياة، وأما الرواية المقابلة فتؤكد على حقيقة أنه لا حياة من دون الماء· وخلاصة القول إن أبوظبي ما كانت لتوجد وتزدهر لولا توافر الماء الصالح للشرب فيها، حتى وإن كان مالحاً بعض الشيء· ونستخلص من هذا أن الماء يأتي في صميم أسطورة نشأة أبوظبي التي يعرفها آل نهيان جميعاً· وهذا ما أدركه المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله، الذي ما إن تسلم مقاليد السلطة في النصف الثاني من القرن العشرين حتى بادر إلى نقل الماء العذب إلى مدينة أبوظبي· ولعل الأهمية العميقة لهذا الإنجاز لا تحتاج إلى أي تفسير·

 قصر الحصن ·· وبرج المقطع

 أتاح الاستقرار في أبوظبي سنة 1761 لآل نهيان الوصول إلى البحر واستغلال ما فيه من خيرات مثل الأسماك واللؤلؤ، وسرعان ما أصبحت جزيرة دلما ـ وهي تحت حكم بني ياس ـ مركزاً لمثل هذه التجارة· وفي حين استقر بعض أفراد قبيلة بني ياس بشكل دائم في جزيرة أبوظبي منذ حكم الشيخ ذياب بن عيسى (نحو 1783 ـ 1793) فإن مقر الحكم لم ينتقل من المارية في ليوا إلى أبوظبي إلا في عهد الشيخ شخبوط بن ذياب (1793 ـ 1816)· وكان البناءان الضخمان الوحيدان في جزيرة أبوظبي القاحلة حينها هما قصر الحصن وبرج المقطع، والقصر أضخم بناء وتم تشييده عام ،1795 بينما أقيم البرج عام 1798 لحماية جزيرة أبوظبي عبر مراقبة المنطقة الضحلة التي تفصل الجزيرة عن اليابسة· ومن المعروف أن الذين اشتغلوا بصيد الأسماك واستخراج اللؤلؤ قد عاشوا في بيوتهم المبنية من سعف النخيل التي أقيمت تحت حماية برج المقطع وقصر الحصن· وفي ظل الموارد الضئيلة المتاحة لم يكن بالإمكان أن توفر جزيرة أبوظبي سبل العيش والحياة إلا لعدد محدود من الناس·

 الغارات الوهابية

 تولى الشيخ شخبوط بن ذياب زعامة قبيلة بني ياس سنة 1793 بعد وفاة والده الشيخ ذياب بن عيسى ليعزز من سلطة بني ياس في اليابسة وعلى السواحل· وكان بناء الأبراج والتحصينات في أبوظبي إجراءً حصيفاً لردع التهديد المتنامي الناجم عن الغارات الآتية من جهة الغرب، فبعد نحو ثلاثة عقود من توسيع بني ياس لسيطرتهم التي امتدت إلى جزيرة أبوظبي، بدأت الجماعات المغيرة من الوهابيين تتسلل إلى الظفرة· ومع ازدياد عدد الغارات الوهابية وتنامي قوتها، وجد الشيخ شخبوط أنه لا يملك الموارد الكافية لحماية مضارب قبيلته على اليابسة، ومع ذلك فقد تجمع رجال بني ياس لصد الغارات الوهابية؛ فعلى سبيل المثال استدعى الشيخ سعيد بن طحنون في أيار/ مايو 1848 رجال قبيلته وحلفاءه لطرد الدخلاء القادمين من نجد وإخراجهم من القواعد التي احتلوها حول العين· وبقيت الغارات بين مد وجزر، إلى أن استطاع الشيخ زايد بن خليفة سنة 1869 طرد آخر الجماعات المغيرة·

 وبحلول سنة 1816 كان الشيخ شخبوط بن ذياب قد حكم بني ياس ثلاثاً وعشرين سنة، شهدت الكثير من الصعوبات والتحديات، وقد تولى ابنه الأكبر محمد مقاليد الحكم بعد تنحي والده عن الحكم برغبته· وقد حظي الشيخ شخبوط الذي تنحى عن الحكم باحترام ابنه، بل إنه ظل يحتفظ بسلطته واحترامه المستمدين من واقع كونه زعيم القبيلة، تاركاً ممارسة السلطة لابنه· وتوضح لنا السيرة الطويلة للشيخ شخبوط الطبيعة المتطورة للنظام السياسي القبلي· وقد رأينا مراراً وفي فترات مختلفة من القرن التاسع عشر أن زعيم القبيلة قد يتنحَّى فيبتعد بشخصه عن ساحة الخلافات السياسية ليحيا في أمان· كذلك فإن في إمكانه أن يرحل إلى بلدة أخرى أو أن يعيش آمناً في حماية قبيلة أخرى دون أن يخشى على نفسه· ولأسباب تتعلق بالأعراف والمحافظة على الكيان الذاتي، فقد حرصت الأعراف القبلية في هذا الشأن على تجنب إثارة الضغائن أو خلق العداء أو المساس بالشرف إلى أقصى حد ممكن·

 زعيم وطني

 وفي ظل حكم الشيخ طحنون المتصف بالمرونة والحيوية تنامت بصورة كبيرة قوة أبوظبي وثروتها· وعُرف عن الشيخ طحنون أنه ذو عزيمة لا تلين، فقد وصفه أحد التقارير بأنه ''زعيم وطني، مولع بالرياضات الحربية، مبدع في أساليب القتال، مفعم بالحيوية والنشاط، ومعروف بشجاعته''·
 وطوال تلك الفترة استمر الحضور السياسي الفعَّال للشيخ شخبوط في توجيه الأحداث؛ ومما يؤكد ذلك توقيعه في كانون الثاني/يناير 1820 على معاهدة السلام مع البريطانيين باعتباره الحاكم الفعلي لأبوظبي· واستمر نمط الحكم المزدوج هذا، والذي كان للشيخ طحنون خلاله الكلمة الأخيرة في كافة الأمور خمسة عشر عاماً·

 وفي عام 1833 أقنع الشيخ شخبوط ابنه الشيخ طحنون بأن يسمح بعودة اثنين من صغار إخوانه، وهما خليفة وسلطان اللذان تم إبعادهما من أبوظبي من قبل بناءً على أوامر الشيخ طحنون· وسرعان ما ثبت أنه لم يكن على صواب فيما أقدم عليه؛ فخلال شهور قليلة قام خليفة وسلطان بإطاحة أخيهما طحنون عن الحكم، وتزعم الشيخ خليفة قبيلة بني ياس من سنة 1833 وحتى سنة ·1845 وقد يبدو مستغرباً إذا تأملنا اليوم تلك الأحداث أن يتمكن الشقيقان من إطاحة حاكم ناجح دون مشقة تذكر، وأن ينالا دعم العائلة الحاكمة فيما أقدما عليه· ولكن في الواقع لكل حاكم أعداؤه، لذا فإنه يواجه في عهده بعض الانشقاقات، وكذلك إذا خلع حاكم جديد حاكماً آخر فإن أسرة الأخير وأبناءه يصبحون بؤرة للانشقاق والانقلاب على السلطة·

 زعيم قبيلة بني ياس

 ومن الناحية العملية دخل الشيخ شخبوط الذي كان عميداً لقبيلة بني ياس في ذلك الوقت في ترتيب مشترك آخر مع ولديه؛ ففي تلك الفترة كان الشيخ شخبوط قد أدى دوراً جوهرياً في حكم أبوظبي امتد لأكثر من 40 عاماً، وظل حضوره الفعَّال واضحاً ومستمراً في الأمور المهمة؛ ومنها على سبيل المثال تسوية النزاع بين أبوظبي وشيوخ القواسم، واعترافه في حزيران/يونيو 1834 بالوضع المستقل لإمارة دبي ·غير أن تأثيره أخذ يضعف تدريجياً، ففي 21 أيار/ مايو 1835 أصبحت صفته الوحيدة هي الممثل الشخصي للشيخ خليفة (الذي وُصف بأنه زعيم قبيلة بني ياس)؛ وهي الصفة التي وقع بها الهدنة البحريـة مع البريطانيين· ويشيـر ذلك إلى أنه سلَّم جميع سلطاته على بني ياس إلى ابنه خليفة، وعلى الأغلب أنه انتقل إلى جوار ربه بعد توقيع الاتفاقية المشار إليها، وليس في عام 1833 حسبما يتردد في أغلب المصادر· ورغم أنه لم يؤرخ لتاريخ وفاته فإنها كانت قبل عام ،1845 عندما تسلَّم سعيد بن طحنون مقاليد الحكم، بعد انقلاب أطاح عمَّيه خليفة وسلطان بالطريقة نفسها التي أنهيا بها حكم والده·

 لقد كان الشيخ خليفة بن شخبوط مثل أخيه طحنون حاكماً قديراً، كما وصفه الملازم أول إتش·إف· ديسبراو حين قال:''منذ ذلك الوقت وحتى الآن (من سنة 1833 وحتى تموز/يوليو 1845) ظل على رأس القبيلة، وبفضل بسالته وصلابته وحكمته أضحت القبيلة في عهده إحدى أقوى القبائل في الداخل وعلى سواحل··· الخليج· كما كان على أتم الاستعداد للتعاون المثمر مع الحكومة البريطانية، وعمل جاهداً لمنع شعبه والقبائل الواقعة في نطاق سيطرته من ارتكاب أي تجاوزات في البحر، وقد أفلح في ذلك''·

 لقد أظهرت أحداث عام 1845 وما قبله الحاجة إلى حاكم يتسم بالقوة والمرونة على حد سواء، فقد سئم أهل أبوظبي حالة الفوضى والاضطراب، وراحوا يتطلعون إلى تحقيق استقرار مستمر، وكانت هذه هي الحال عندما تولى الشيخ سعيد بن طحنون مقاليد الحكم بدعم من آل نهيان جميعاً، فقد حرص الشيخ سعيد على البقاء في العين وعدم الذهاب إلى أبوظبي حتى يضمن القبول الشعبي·

 ''عندما وصل الشيخ سعيد فيما بعد استقبلته أغلبية قبيلة بني ياس بترحاب كبير، وسانده المقيم السياسي الذي كان يتابع الأحداث عن كثب، وسارع إلى تقديم كل الدعم المعنوي المتاح في حدود سلطته لضمان ترسيخ سلطة الحاكم الشرعي، وقد تولى الشيخ (سعيد بن طحنون مقاليد السلطة) وبدأ في تصريف شؤون الحكم، وسرعان ما بايعته قبيلة بني ياس برمتها زعيماً لها''·

 ظل الشيخ سعيد يمارس مهام الحكم بنجاح على امتداد عقد من الزمن، إلى أن فشل أيضاً في نهاية المطاف في الحفاظ على التوازن السياسي، بعد أن واجه أزمةً غير متوقّعة.

 عهد الشيخ زايد بن خليفة

 حظيت أبوظبي في فترات طويلة من تاريخها بحكام تميزوا بالكفاءة والقوة؛ فمنذ أواخر القرن الثامن عشر اجتمعت في شيخين على وجه الخصوص من حكامها - وهما الشيخ شخبوط بن ذياب والشيخ زايد بن خليفة - صفات فريدة مكَّنتهما من البقاء على رأس السلطة والتفوق في إدارة شؤون الحكم، فقد استوعبا بنية النظام السياسي في قبيلة بني ياس، وفهما دقائقها ونجحا بفضل هذا الفهم في تدعيم الاستقرار وتثبيت أركان الحكم لفترة طويلة· ومنذ الحرب العالمية الأولى يعتبر الشيخ زايد بن سلطان الحاكم الوحيد الذي أظهر القدرات والمهارات نفسها، والتي تُعد شرطاً مسبقاً لتحقيق النجاح الحقيقي والتميز المستمر·

 كان اختيـار الشيـخ زايـد بن خليفة عام 1855 وهـو في العشرينيات من عمره لزعامة القبيلة ووضعه على رأس السلطة في مرحلة حاسمة للغاية تحدياً بالغاً؛ نظراً لكونه شاباً يافعاً ومحدود الخبرة· لقد أدرك الشيخ زايد بن خليفة منذ الأيام الأولى لحكمه أنه في حاجة إلى دعم أسرته وولائها من ناحية، ودعم قبيلته برمتها وولائها، بالإضافة إلى دعم القبائل المتحالفة معها من ناحية أخرى، وأدرك بوضوح أن زعيم القبيلة لا يستطيع أن يتجاهل إرادة شعبه ومصالحه· وأتاحت له حنكته السياسية أن يحظى بولاء شعبه لأكثر من خمسين عاماً، وأن يعزز مكانة أبوظبي إلى أن أصبحت أقوى إمارة في المنطقة·

 وكانت المهمة الرئيسية الملقاة على عاتق الشيخ زايد بن خليفة هي التصدي للأخطار التي تهدد وحدة أراضي أبوظبي، حيث كان مطلوباً من أي زعيم قبيلة أن يحمي أراضي شعبه وحلفائه· وكانت مكانة الزعيم تزداد رفعةً كلما وسَّع مناطق نفوذه، وزاد من عدد القبائل والجماعات الحليفة التي تعترف به زعيماً لها· وفي عام 1855 واجه الشيخ زايد بن خليفة عدة تحديات كان في طليعتها الاحتفاظ بولاء شعبه ووحدة أراضيه، وتوسيع رقعة سلطانه· وفي هذا الشأن يمكن اعتبار الحكام الذين توالوا على أبوظبي قبل الشيخ زايد بن خليفة (باستثناء الشيخ شخبوط بن ذياب) ''فرساناً شجعاناً'' أكثر منهم ''زعماء ناجحين''· وقد واجهوا في حياتهم السياسية مواقف أبدوا فيها كثيراً من الشجاعة والجرأة، غير أنهم افتقدوا الحنكة السياسية التي كان يتمتع بها الشيخ زايد بن خليفة، فرغم كونه محارباً ذائع الصيت، فإنه لم يكن يلجأ إلى الحرب إلا عند الضرورة القصوى·

 وقد أدرك الشيخ زايد بن خليفة حقيقةً أساسيةً لم يتوصل إليها من سبقوه؛ وهي أن السياسة في منطقة الخليج العربي ذات طبيعة متغيرة، فالعداوات القديمة لم تعد ذات معنى، كما أصبح شيوخ القواسم في إمارتي الشارقة ورأس الخيمة يؤازرون الشيخ زايد بن خليفة ويسعون لكسب ود إمارة أبوظبي، بعد أن كانوا يقفون ضد قبيلة بني ياس في مرحلة سابقة، وقد انهارت إمارة نجد السعودية تحت ضغوط مشتركة من العثمانيين وآل رشيد من حائل· كما أن المصلحة المشتركة آنذاك بين الإمام في عُمان وحاكم أبوظبي في طرد الوهابيين قد أدت إلى شن حملة بتعاون كلا الطرفين عام 1869 لتطهير منطقة العين من المتسللين الوهابيين الذين جاؤوا إلى الواحة من الغرب عام 1853.

 عودة القبيسات

 لقد بدأ الشيخ زايد الكبير منذ سبعينيات القرن التاسع عشر يستغل منظومة الإمارات المتصالحة في تحقيق مصالح قبيلته، حيث استخدمها في حل المشكلة المتكررة لقبيلة القبيسات، الذين انشقوا من جديد وأقاموا في خور العديد تحت حماية حاكم قطر· وقد قرر أن يحل المشكلة من خلال وضعها بين يدي السلطات البريطانية، فقد كانت سفن الغوص بما فيها السفن التابعة له تتعرض لتحرشات القبيسات على نحو يخل بالمعاهدة البحرية، وما كان من الشيخ زايد الكبير إلا أن لفت النظر إلى التناقض في المعاهدة نفسها حيث إنها تمنعه من معاقبة رجال قبيلته المنشقين عنه، في الوقت الذي تعطي فيه المقيم السياسي البريطاني حق محاسبته على أفعالهم باعتباره شيخهم·

 لقد شرح الشيخ زايد الكبير هذه المفارقة بشكل مقنع مرةً تلو الأخرى في رسائل بعث بها إلى المقيم السياسي، وقد كان واضحاً تماماً أنه صاحب الحق في هذه القضية حسبما تقتضيه مصالح الساحل المتصالح· وتحول المقيم السياسي البريطاني نفسه الذي كان قد فرض عام 1869 عقوبات على أبوظبي بسبب أعمال حربية ضد قطر، إلى التأييد القوي لموقف الشيخ زايد· وخلال الأعوام العشرة اللاحقة (1869 ـ 1879) أيد المسؤولون البريطانيون العاملون في منطقة الخليج العربي موقف الشيخ زايد في قضية خور العديد، وتمسكوا بموقفهم، على الرغم من الضغوط التي مارستها وزارة الخارجية في لندن لإيقاف هذه المساندة والتأييد·

 وفي نيسان/إبريل 1878 أبحر الشيخ زايد الكبير ورجاله في صحبة المقيم السياسي البريطاني على ظهر الطراد الحربي تيزر التابع للبحرية الملكية البريطانية إلى خور العديد، غير أنهم وجدوا المكان مهجوراً، حيث كان القبيسات قد تركوه، وبعد أن وجد المشاركون في تلك البعثة أن منطقة خور العديد في حالة لا تسمح بالاستقرار فيها، انطلقوا للبحث عن أفراد القبيلة المذكورة· وفيما بعد تم العثور على أمكنتهم، وحينئذ لم يعمد الشيخ زايد الكبير ومن معه إلى الانتقام منهم، بل دعوا القبيسات إلى العودة إلى أبوظبي· وبدا في ذلك الوقت أنهم ''يريدون العودة'' إلى أبوظبي، وأن حاكم قطر هو الذي كان يحاول منعهم من المغادرة· وقد أرسل الشيخ زايد على الفور قوارب إليهم، وعند عودة رجال القبيلة المنشقة إلى أبوظبي، وجدوا ''الترحيب والمعاملة الحسنة من شيخ القبيلة''·

 وهكذا خلال فترة تقارب أربعين عاماً أرسى زايد الكبير أسساً للتعاون العملي مع المسؤولين البريطانيين في منطقة الخليج العربي الذين سرعان ما أدركوا ضرورة احترام كفاءته السياسية· فقد أقام علاقات تقوم على أساس الاحترام المتبادل مع أجيال متتالية من المقيمين السياسيين البريطانيين الذين اعتبروه زعيماً يفي بالتزاماته، ووصفوه بأنه ''عميد شيوخ الساحل المتصالح'' في الخليج· وكانوا مقتنعين بضرورة تطوير دور أسرة آل نهيان ونفوذها في العين بعد عام ،1869 وهي الخطوة التي اعتبرت قوة دافعة لتحقيق الاستقرار في جبهة كانت معرضة للاضطراب إذا لم تتخذ تلك الخطوة· وكانت العلاقة التي نصت عليها معاهدة الهدنة البحرية، والمبنية على الاهتمام البريطاني بمسألة ''القرصنة'' البحرية، قد حالت دون أي نشاط حربي في الخليج حتى ذلك الحين· وفي الوقت نفسه كان البريطانيون أكثر تساهلاً تجاه النشاط العسكري الذي يجري في البر، حيث اعتبروه مجرد ممارسة تقليدية لفنون القتال في الصحراء· وقد كان هذا الجانب لصالح الشيخ زايد الكبير، حيث أصبح لإمارته أبوظبي الآخذة في الاتساع قوة برية فعالة ومؤثرة·

 العلم ·· والنموذح

 العلاقة بين زايد الكبير وبريطانيا أخذت أشكالا متعددة يمكن للقارىء متابعتها بالعودة إلى الكتاب ، غير أننا نقدم منها ملخصا ينتهي بنا إلى القول : تزايدت الضغوط على زايد الكبير مع تحول البريطانيين التدريجي عن سياسة إطلاق اليد وحرية العمل إلى أسلوب التشدد وفرض القيود، وتجسدت تلك السياسة في سلسلة من المضايقات؛ وعلى سبيل المثال فقد طلب الشيخ زايد الكبير عام 1900 موافقة المقيم السياسي البريطاني على اعتماد علم جديد لرفعه على مراكبه، وكان البريطانيون قد حددوا في عام 1820 ألوان علم القواسم، الذين كانوا حينها أقوى قبيلة في المنطقة، ليكون هو الأساس لأعلام باقي إمارات الساحل المتصالحة، ولكن تغير موازين القوى بعد ثمانين عاماً جعل الشيخ زايد الكبير يسعى إلى اعتماد علم خاص يعبر عن مكانة بني ياس· وعلى أرض الواقع لم تكن اللائحة التي أصدرها البريطانيون بخصوص العلم القاسمي قد وضعت موضع التنفيذ مطلقاً، وبحلول عام 1900 أضحت الألوان الأصلية لذلك العلم مجهولـةً من الناحية الواقعية· ولكن المقيم السياسي البريطاني أصر على رفض طلب الشيخ زايد الكبير الخاص بالعلم، وبعد أكثر من جيلين من النسيان سعى المقيم السياسي إلى وضع لائحة العلم الصادرة في 1820 موضع التنفيذ· وقد شمل التنفيذ إرسال اللائحة إلى جميع الحكام، مع إرفاق نسخة من التصميم الأصلي للعلم، ويشير ذلك إلى أن الشكل المحدد من ''النموذج المعتمد'' لم يكن معروفاً تماماً لدى حكام الإمارات كلهم· وبدا أن البريطانيين الذين كانوا فيما مضى يفسرون النظم واللوائح التي تنص عليها الاتفاقيات تفسيراً مرناً، قد أضحوا يميلون إلى فرضها بتصلب والتمسك بحرفيتها·

 لقد بدأت العلاقات الجيدة بين البريطانيين والشيخ زايد الكبير والتي تحققت في الفترة السابقة تتجه نحو الضعف اعتباراً من أواخر تسعينيات القرن التاسع عشر، وأظهرت أحداث مختلفة تدهور التفاهم المشترك الذي تم التوصل إليه من قبل؛ ففي عام 1895 أفاد الشيخ زايد الكبير المقيم السياسي البريطاني بموافقة سكان جزيرة الزوراء، وهي جزيرة رملية تقع بين عجمان والحمرية، على قيام زايد الكبير بإنشاء قاعدة ومستودع للمؤن في جزيرتهم، وتلقى الشيخ زايد الكبير موافقة المقيم السياسي البريطاني على ذلك· وفي عام 1897 طلب سلطان بن ناصر السويدي، والد قرينة الشيخ زايد الكبير، موافقة المقيم السياسي على الانتقال إلى الجزيرة المذكورة، غير أن السلطات البريطانية تلكأت في الرد على ذلك الطلب· وبحلول عام 1898 رفض سلطان بن ناصر السويدي ـ المعروف بطبيعته المسالمة وثرائه كتاجر للؤلؤ ـ أن يؤجل انتقاله أكثر من ذلك· وبموافقة حاكم عجمان بدأ في بناء منزل له على أرض تلك الجزيرة بمباركة الشيخ زايد الكبير وتحت حمايته · وفي الثامن من تشرين الأول/ أكتوبر 1900 أصدرت السلطات البريطانية فجأة تعليماتها إلى الشيخ زايد الكبير لكي يوقف أعمال البناء في تلك الجزيرة بدعوى أن ذلك يخل بالتوازن السياسي في المنطقة·

 وفي شهر شباط/ فبراير من العام التالي كتب الشيخ زايد الكبير إلى المقيم السياسي معبراً عن دهشته إزاء التغير المفاجئ في الموقف البريطاني تجاهه، موضحاً أنه لم يعتد مثل هذه المعاملة من البريطانيين· واستمر النزاع الذي تخللته توترات عديدة ومحاولات للتسوية حتى عام 1905 عندما قام الرائد كوكس نائب المقيم السياسي الجديد بزيارة تلك الجزيرة ، وقرر حظر بناء أي منشآت عليها بشكل دائم·

 رحيل زايد الكبير·· وأوضاع المنطقة

 أحدثت وفاة الشيخ زايد الكبير عام 1909 فراغاً سياسياً في المنطقة؛ فقد رحل نصير المصالحة الأول الذي كان يملك القوة والسلطة القبلية اللازمة لفرض السلم· وقد اتضحت عواقب الرحيل فيما أصبح يُعرف باسم حادثة هياسينث التي وقعت في العام التالي لوفاته، وأكدت هذه الحادثة إمكانية اندلاع أحداث عنف في المنطقة، وهو ما كان الشيخ زايد الكبير قادراً على احتوائه بفضل ما يتمتع به من نفوذ·

 كان هناك اشتباه منذ وقت طويل في قيام بعض تجار دبي بالمتاجرة في الأسلحة؛ لذا فقد نزلت في دبي قوة بريطانية مؤلفة من 100 رجل مسلح من ظهر السفينة الحربية هياسينث التابعة للقوات البحرية الملكية في كانون الأول/ديسمبر ،1910 دون الحصول على إذن من حاكم الإمارة لمصادرة الأسلحة المهربة، فاندلع قتال عنيف بين القوة البريطانية وأهالي دبي، تبعه قصف مدفعي للمدينة، وأسفر ذلك عن مقتل 37 شخصاً وتدمير عدد من المباني، كما قتل خمسة من أفراد البحرية البريطانية· وقد اقترح القائد البحري البريطاني تنفيذ قصف شامل لدبي واحتلال المدينة بواسطة قوة لا تقل عن 1000 فرد تساندهم المدفعية· وفي نهاية الأمر لم يقدر لأي إجراء من هذا النوع أن يوضع موضع التنفيذ·

 أما الحادثة نفسها ''··· فقد أبرزتها الصحف البريطانية والهندية، وأثارت تبادلاً مهماً للمراسلات الرسمية· وكانت الحادثة مفاجأة تامة بالنسبة إلى صحيفة التايمز الهندية إذ لم تستطع الصحيفة أن تفهم كيف أن الساحل المتصالح الذي كان على سلم مع البريطانيين لأكثر من نصف قرن، والذي نعم بالاستقرار نتيجة النشاط التجاري، قد تحول فجأة إلى مسرح لقتال مرير''·

 الإجابة عن تساؤل الصحيفة هو أن هذا الاستقرار لم يكن نتيجة النشاط التجاري، بل يعود إلى وجود الشيخ زايد الكبير، بدليل أن وفاته عام 1909 قد أدت إلى خلق مشكلات هائلة في الخليج، لقد فقدت المنطقة برحيله أهم الأطراف المؤثرة في ''عملية صنع السياسات''·

 من آثار زايد الكبير

 كانت المحافظة على استقرار الساحل المتصالح تقتضي دائماً المحافظة على توازنات محلية، وعلى مدى أكثر من نصف قرن كانت الشخصية القويـة للشيخ زايد الكبير هي التي تحول دون حدوث حالة من الفوضى والإخلال بالنظام، إضافة إلى المصلحة الشخصية التي تجمع بين العناصر المكونة لتحالف بني ياس، وكما أشار أحد الباحثين: ''لكي يبقى الحاكم في الحكم، كان عليه أن يجمع بين الشجاعة والعدل والأمانة والذكاء والكرم، وأن يتأكد من أن أياً من أقاربه لا يشعر بالسخط''· وقد أتيح للحكام الذين خلفوا الشيخ زايد الكبير أن يستفيدوا بعض الوقت مما تركه من تأثير؛ فقد تعين على الحاكم الجديد لإمارة أبوظبي الشيخ طحنـون بن زايد (1909 ـ 1912)، أن يدعم في أحد الأعوام حلفاءه من الظواهر لصد الهجمات التي شنتها عليهم قبائل مجاورة في العين وبين عامي 1919 و1920 كان على خليفته أيضاً الشيخ حمدان بن زايد (1912 ـ 1922) أن يتدخل للتوفيق بين القبائل، وكان الخلاف في هذه المرة بين المناصير والعوامر، وكلاهما من حلفاء بني ياس· ومع ذلك فقد كانت النزعة الطاردة المتأصلة في النظام السياسي تعود لتفرض نفسها، وقد برزت ثلاثة عوامل جديدة زادت من الضغوط على البنية الهيكلية للحلف ،هي:غياب الشيخ زايد الكبير وتراجع فاعلية السلطة البريطانية، أما العامل الثالث فقد كانت له جذور سياسية واقتصادية·

 لقد عززت الحرب العالمية الأولى من قوة عبد العزيز آل سعود حاكم نجد ونفوذه في قلب شبه الجزيرة العربية، حيث تمكن بالفعل من طرد العثمانيين من إقليم الأحساء المتاخم للخليج عام ،1913 وفي عام 1918 نظر إليه البريطانيون بوصفه يمثل أبرز قوة مستقبلية في المنطقة· وفي حين كانت قبائل الصحراء تنظر إلى الشيخ زايد الكبير بوصفه ''الرجل القوي'' الذي يتمتع بالنفوذ ويمتلك الوسائل اللازمة لدعم مكانته وبسط هيمنته، فقد جاء عبدالله بن جلوي، وهو ممثل عبد العزيز في الأحساء ليحاول شراء ولائهم· وساعد ابن جلوي القبائل التي كانت تهاجم بني ياس وحلفاءهم بهدف إضعاف مصدر القوة والاستقرار الوحيد المنافس له في المنطقة· وكان ذلك التحرك تقليدياً في مجمله؛ فهو جزء من سياسة الكرّ والفرّ القبلية، ومن ناحية أخرى كانت له دوافعه الاقتصادية وأسبابه المرتبطة بالظروف المعاصرة، إذ إن احتمال وجود احتياطيات من النفط في المنطقة كان عاملاً مؤثراً في تزايد أهميتها والتوسع في بسط النفوذ ضمنها حتى قبل الحرب العالمية الأولى؛ وكان السعوديون قد حرصوا منذ عام 1918 على الاستحواذ بكل الطرق على أكبر كمية من النفط المحتمل استخراجه·

 ميلاد قائد

 كانت الموارد المالية المتوافرة لدى الحكام الذين تولوا الحكم بعد زايد الكبير قليلة نسبياً وغير كافية لمقاومة تلك الضغوط، ولم تقدم لهم الحكومة البريطانية دعماً يذكر، وقد تراجعت الموارد الاقتصادية للحكام نتيجةً لتدهور التجارة في حقبة ما بعد الحرب العالمية الأولى، بينما ازدادت حاجة القبائل إلى الدعم والمساعدة· وقد أدت الضغوط المتصاعدة إلى رد فعل مؤثر في صميم تحالف بني ياس؛ إذ اختفت السلطة المستقرة وتعاقب على حكم أبوظبي عددٌ من الحكام لفترات قصيرة؛ ففي حين أن حاكماً واحداً قد حكم أبوظبي أربعة وخمسين عاماً خلال الفترة 1855 ـ 1909 فقد توالى على حكمها أربعة حكام في فترة تسعة عشر عاماً (1909 ـ 1928) · فبعد حمدان بن زايد تولى أخواه الحكم على فترات متقاربة وهما سلطان بن زايد (1922 ـ 1926) وصقر بن زايد (1926 ـ 1928) · ولم تنته دائرة الفوضى والاضطراب التي أصابت الأسرة الحاكمة إلا في عام 1928 عندما تولى حكم أبوظبي الشيخ شخبوط بن سلطان·

 ويمكننا أن ننظر إلى الفترة 1922 ـ 1928 من منطلقين مختلفين؛ فإما أنها كانت تمثل فترة انتكاسة سياسية نظراً لسيطرة الطابع الصراعي العنيف للقبلية الذي كان سائداً قبل عام ،1855 وإما أنها كانت مجرد خلل طارئ أصاب الآلية السياسية تحت تأثير مجموعة من الظروف الخاصة· وقد فسَّر المسؤولون البريطانيون الموقف في ذلك الوقت على أنه ارتداد سياسي، ولكن الاستعراض التاريخي للأحداث يجعل التفسير الآخر أقرب إلى الصواب، فعلى امتداد قرن ونصف القرن تقريباً كانت الفترة الوحيدة التي شهدت استخدام العنف وسيلةً لتغيير النظام السياسي هي الفترة الفاصلة بين عامي 1922 و،1928 أما في الفترات الأخرى فقد كان انتقال السلطة عن طريق الإجماع هو الأسلوب المتَّبع· ولابد من رؤية الأحداث التي شهدتها أبوظبي في سياق أوسع؛ أي في سياق الأوضاع السائدة في المنطقة وفي العالم أجمع، فقد أدت الحرب العالمية الأولى إلى فقدان الاستقرار الاجتماعي والسياسي في العالم بأسره، واتخذ ذلك الوضع أشكالاً مختلفة معظمها مدمر وعنيف، وساد الاضطراب السياسي والاقتصادي على نطاق واسع، وفي عام 1929 عندما بدأت البنى السياسية تستعيد وضعها، انهار الاقتصاد العالمي مرة أخرى ودخل العالم في كساد اقتصادي امتد طوال فترة الثلاثينيات· وقد وُلد الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان وترعرع في هذه الظروف العصيبة والمتقلبة·

 زايد في صباه

 في الأيام السابقة لعهد شهادات الميلاد وحفظ السجلات المكتوبة كانت تفاصيل تواريخ الميلاد تحفظ في الذاكرة فقط، ولا يوجد من يذكر بدقة اليوم والعام الذي وُلد فيه الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، غير أن أرجح تقدير هو أنه قد وُلد في العام الأخير من الحرب العالمية الأولى، أي في عام ·1918 وتناولت المرة الأولى التي دونت فيها أحداث خاصة بحياة الشيخ زايد رحلته أثناء طفولته بصحبة والدته من أبوظبي إلى العين· ونتذكر اليوم أن هذه الرحلة كانت محزنةً لأنه لم ير والده حياً بعدها؛ ففي 12 تموز/يوليو 1926 عهد الشيخ سلطان الذي أحس بخطر ما إلى ابنه الأكبر شخبوط بحماية الأسرة، التي تضم زوجته الشيخة سلامة بنت بطي آل حامد وابنه الأصغر زايد، فأرسلهم إلى مكان آمن في العين· ولم يبق معه في أبوظبي سوى ابنه الثالث خالد· وعقب عدة أيّام قُتل الشيخ سلطان فأصبح زايد وإخوته يتامى، وبعد نحو عامين تولّى شخبوط الابن الأكبر للشيخ سلطان الحكم، كما تولّى رعاية إخوته الصّغار، وخاصَّـة أصغرهم سناً الشيخ زايد، إذ بذل الشيخ شخبوط كل ما في وسعه ليحل محل والده في رعايته·

 ومن هنا فقد مر الشيخ زايد في بداية صباه بتجربتين مختلفتين إلى حد بعيد؛ أولاهما أثناء طفولته المبكرة في منزل أبيه في أبوظبي، والثانية في مقر الحاكم في قصر الحصن بعد تولي أخيه الشيخ شخبوط الحكم· وفي ذلك الوقت المبكر من حياته بدأ زايد يحفظ القرآن الكريم، ولم يكن قد تجاوز سنوات الطفولة عندما بدأ يحضر مجلس أبيه، يصغي لما يدور فيه ويتعلّم منه، وسرعان ما اكتسب الثقة ليطرح استفساراته على ضيوف المجلس، وأصبح معروفاً بأنه أعقل وأكبر من سنه· ومع انتقاله إلى العين عام 1926 وخلال فترة حياته بين أهل أمه من القبيسات، وهم بطنٌ من بني ياس، نشأ زايد في بيئة بدوية خالصة· وفي مجلس جده بطي حضر الشيخ زايد بن سلطان المداولات حول الهموم القبلية التي عايشها بشكل غير مباشر في أبوظبي، واستمع في مجلس جده إلى المناقشات اليومية المتعلقة بقضايا الحرب والعادات والتقاليد والأعراف العربية الأصيلة؛ وهي القضايا المحورية التي ازداد التداول بشأنها في الظروف المضطربة خلال العشرينيات والثلاثينيات·

 وفي مرحلة لاحقة أدرك زايد عدم حدوث تغير كبير في آلية التحالفات بين القبائل، وفي القضايا التي واجهت جده الشيخ زايد بن خليفة الذي سمي على اسمه قبل قرن كامل· وفي شبابه الذي أمضاه في العين حرص زايد بن سلطان على معرفة الرجال الذين قاتلوا إلى جوار جده زايد الكبير واستمع إلى آرائهم وحكاياتهم وذكرياتهم· واكتشف من ذلك كله أن جده الذي لم يقدر له أن يلتقي به قد جمع فضائل حكام الصحراء، من شجاعة وعدالة وأمانة وذكاء وكرم، وعايش بالتجربة العملية يوماً بعد يوم أهمية توافر هذه الصفات لإدارة شؤون القبيلة، وأدرك أن رجال القبيلة يمكن قيادتهم، ولكنهم لا يقبلون أن يُساقوا·

 شكلت هذه المؤثرات خلفية طفولة الشيخ زايد وشبابه، وإذا كان معظم الأطفال لا يُعرفون إلا في نطاق أسرتهم المقربة فحسب، فإن الشيخ زايد بدأ منذ الأعوام الأولى يترك بصمته، وقد عرفته قبائل العين البدوية في سنوات صباه المبكرة صياداً ماهراً ورامياً لا يخطئ هدفه، وكانت هذه الصفات تلقى إعجاباً خاصاً· لقد كان الشيخ زايد شاباً قوياً نشيطاً وصبوراً إلى أقصى حد، ولكن كان واضحاً أيضاً أن ملكاته أكثر من مجرد فطنة المحارب وشجاعته· ورغم أن شجاعته وجسارته لم تكن موضع شك فيها على الإطلاق، فإن ممارساته المبكرة أوضحت أن اللجوء إلى القوة إنما يمثل الملاذ الأخير لديه، وكان يؤمن إيماناً راسخاً بأنه لا يوجد خلاف يستعصي على المناقشة الموضوعية والمفاوضات الجادة· ووفقاً لرأي المقربين منه وسائر رجال القبيلة على حد سواء، فإن الشيخ زايد كان يمتلك السمات التي تمكّنه من زعامة أبوظبي؛ ألا وهي التحلي بالصبر· لقد كان زايد في صغره يتوخى الصبر حتى تأتي اللحظة الملائمة للقيام بعمل حاسم، وكان لهذه الصفة فوائد جمة في حياته اللاحقة·

 

كافة الحقوق محفوظة لشبكة الرحال الإماراتية