|
يمثل كتاب (بقوة الاتحاد ـ صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان ـ رحمه الله ـ
القائد والدولة) نقلة نوعية في تناول أدوار الزعماء والقادة الذين صنعوا أحداث
التاريخ لجهة التأكيد على الخصوصية بمختلف أبعادها ( التاريخية والدينية والثقافية
والمجتمعية إضافة إلى القبلية) ضمن رؤية علمية غير غارقة في التبجيل ولا التعظيم
،ولكنها في الوقت ذاته معترفة ومشاركة ومقدرة عبر عمل بحثي علمي موثق لأفعال ومواقف
المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان ''رحمه الله''، خصوصا عمله الوحدوي
المتعلق بقيام دولة الإمارات وبمشاركة واعية من إخوانه حكام الإمارات.
لقد
بدأ هذا الكتاب فكرة ثم تحول إلى مشروع وهو بين أيدينا اليوم مرجع ـ لا غنى عنه ـ
للباحثين والمؤرخين والسياسيين والكتاب، بل لكل القراء والمحبين للقائد الراحل الذي
شكل علامة دالة ومميزة في تاريخنا المحلي والخليجي والعربي والإسلامي والعالمي أيضا
، ومن هنا جاءت طبعته الإنجليزية حتى لا يظل الكتاب حكرا على القارئ العربي ، لأن
الشيخ زايد قائد عالمي، وهذا نجده موثقا وباعتراف واضح من زعماء العالم ومؤرخيه ،
لذلك فهو لا يكتفي بالحديث عن الماضي والحاضر،إنما يتجه صوب المستقبل، وهذا يدفعني
إلى اعتباره ''كتاب الأجيال'' ·
من
ناحية أخرى فإن أهمية الكتاب جاءت واضحة في تقديم '' الفريق سمو الشيخ محمد بن زايد
آل نهيان ولي عهد أبوظبي'' إذ أبدى سموه تحمسا لفكرة الكتاب حين عرضها عليه مركز
الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية، حيث كتب : ''تحمست للموضوع كثيرا ، ويعود
ذلك لعدة أسباب أولها: إن الرؤية التي طرحت علي كانت رؤية جديدة تتبنى منهجا علميا
موضوعيا وجادا في كتابة سيرة حياة الوالد القائد، مما سيميز هذا الكتاب عن غيره من
السير الذاتية الأكثر شيوعا، كما سيعتمد المعايير الأكاديمية الموضوعية والمنهجية
العلمية من أجل تقديم رصد موثوق لحياة الشيخ'' زايد'' وإنجازاته، ذلك القائد الذي
امتزج تاريخه بوطنه الذي يعود إليه الفضل بعد الله تعالى في انتقاله من مجرد فكرة
إلى حقيقة واقعة ننعم بها جميعا''··
كما
أضاف في التقديم نفسه : ''يمثل هذا الكتاب بحق مساهمة تأتي أهميتها من واقع تركيزها
على قضية الوحدة التي طالما شغلت المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد ـ رحمه
الله ـ كما يبين الكتاب التفكير السياسي عند الشيخ زايد ، وما يتصف به من حذق ووضوح
، وهو الأمر الذي يستشف من كلماته وحديثه ، وكذلك في كلمات معاصريه الذين عبروا عن
رأيهم فيه حينئذ لتبقى آراؤهم حبيسة الأرشيف سنوات عديدة'' ،وأحسب أن هذا الكتاب قد
تميز بالفعل عن الكتب السابقة عنه بالمعلومات الموثقة، وباتباع المنهج العلمي
والتحليل ، وبذلك ثبت صدق رؤية ''الفريق سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد
أبوظبي''
يقع الكتاب الذي بين أيدينا في ثلاثة أبواب حمل الأول عنوان '' التراث '' وفيه جاء
الحديث ـ ضمن ثلاثة فصول ـ عن القبيلـــة العربيــة و''عصر عاصف'' وممثل حاكم
العين، في حين حمل الباب الثاني عنوان ''التحول ''، واشتمل على ثلاثة فصول أيضا وهي
حتمية التغيير ومبايعة حاكم جديد وبناء أبوظبي جديدة ، أما الباب الثالث والأخير
فقد حمل عنوان ''الاتحاد''، واشتمل على أربعة فصول هي : مولد دولة ،وبناء الدولة،
والدفاع عن الدولة والمحافظة على منجزاتها ،و'' بقوة الاتحاد'' ،وللعلم فإن الكتاب
من إصدارات مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية، المعروف بدراساته وبحوثه
المتميزة ·
يأتي عرض'' بقوة الاتحاد '' على صفحات جريدة ''الاتحاد'' في حلقات وفقا لطريقتها
الخاصة في عرض الكتب ، معتمدة على التركيز مع الإيجاز، وتقتضي الأمانة قبل بدء
العرض توضيح ثلاث مسائل أساسية، أولها: إن هذا العرض لن يكون بديلا بأي حال من
الأحوال عن قراءة الكتاب كاملا، وثانيها: تبعا للقضية الأولى فإن العرض تم بتصرف
مراعيا في ذلك المساحة المتاحة ومتطلبات قارئ الجريدة، ما يعني ضرورة العودة إلى
الكتاب، يضاف إلى ذلك أنه لم يتم عرض الوثائق والهوامش وهي من الأهمية بمكان ، وهذا
بسبب خضوع العرض لمتطلبات النشر في الجريدة ، وثالثها: إن ما يقدم في هـــذه
الحلقات هو مجرد اختصار ـ مبرر ـ للأفكار الكبرى التي يحتويها هذا الكتاب، وبما انه
كتاب أجيال ـ كما ذكرت في البداية ـ فمن الضروري تداوله ووجوده في كل المكتبات
العامة والخاصة، بعد أن تبين لنا ـ وسيدرك القارىء الكريم بالعودة إليه ـ أنه يكشف
عن كثير من القضايا والمواقف الخاصة بالقائد الراحل·
والكتاب يجيب عن كثير من التساؤلات المطروحة على مختلف الصعد التاريخية والسياسية
والقبلية والحضارية، وفي ذلك فليسع كل منا إلى الحكمة عله يحصل عليها، ومن فعل ذلك
فقد أوتي خيرا كثيرا، خير للأجيال الراهنة والمستقبلية، وفي ذلك تأكيد وتفعيل
واستمرارية وتذكير بأفعال المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد (رحمه الله) .
لا
يذكر التاريخ الحديث والمعاصر سوى عدد قليل من الحكام الذين أتوا إلى السلطة وهم
زاهدون فيها، ومنهم الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان الذي أدى به الإحساس العميق
بالواجب - والواجب فحسب - ومساندة الرأي العام له، والإصرار الكامل من أعضاء
الأسرة، إلى اتخاذ آخر إجراء يمكن أن يتصوره؛ وهو أن يحل محل شقيقه في سدة الحكم·
ومع ذلك فإن تولي الشيخ زايد مقاليد الحكم قد عكس رغبة أهل أبوظبي كما دشَّن مرحلةً
انتقالية حاسمة في تاريخ أبوظبي، وجاء تتويجاً لتفاعلات دامت عقداً بل أكثر·
وكان واضحاً أن الشيخ زايد احتل مكانة خاصة بفضل صفاته القيادية سواء في أوساط
الأسرة الحاكمة أو في أنحاء الإمارة عامة، حتى قبل أن يعلن الشيخ شخبوط للمرة
الأولى عام 1954 أنه عازم على التخلي عن الحكم، والجدير بالذكر أن الشيخ زايد الذي
عرف برؤيته الثاقبة وحسه العملـي يتمتع بقدرة كبيرة على الإقناع بشأن القضايا
الحاسمة حتى في الأوقات العصيبة، وقد تجلت تلك المهارة واضحةً في إقناعه كافة
العائلات صاحبة النفوذ في العين بالتنـازل عن جزء من حقوقها البالغة الأهمية في
المياه لما فيه الصالح العام، وكانت السلطات البريطانية من جانبها تكن إعجاباً
بالشيخ زايد واحتراماً له؛ لأنه كان فعالاً وحاسماً على حد سواء·
وأدرك
أفراد الأسرة الحاكمة أن الشيخ زايد أصغر أشقـاء الشيخ شخبوط هو الشقيق المتميز
الذي أتقن المهارات الدبلوماسية؛ لذا كان الشيخ زايد مفاوضاً مثاليــاً باسم أبوظبي
مع الحكومة البريطانية من جهة والشركــات الأجنبية التي أضحى لها دور في الإمارة من
جهة أخرى·
زايد ··
والخيار الصعب
حاول الشيخ شخبوط بين حين وآخر أن يغير مواقفه ويحقق التنمية، غير أنه لم يستمر في
هذا الاتجاه· وعموماً فقد أمضى الشيخ زايد أكثر من عقد وهو يحاول أن يقوّم وضعاً
معوجاً يستحيل إصلاحه أصلاً، قبل أن يقبل واجبه المحتوم في نهاية المطاف فيتولى
مقاليد الحكم في أبوظبي في 6 أغسطس 1966 ولكن لماذا قبل الشيخ زايد هذا التكليف في
هذه المرحلة بالذات، ولم يقبله في مرحلة سابقة؟
لقد
جاء انتقال السلطة في إمارة أبوظبي، كما هي الحال في دول مختلفة، بعد فترة من
الإصلاحات الجزئية، إذ قبل الشيخ شخبوط تحت إلحاح متواصل من الشيخ زايد وبتوجيه منه
إجراء تغييرات وإصلاحات محدودة· وخلال الأعوام الأربعة التالية لعام 1962 الذي أبدى
الشيخ شخبوط خلاله استعداده للتنحي عن الحكم، بدأ الحاكم يتجاوب بنشاط مع العديد من
الأفكار والاقتراحات الخاصة بالتنمية· ونظراً لعدم إنجاز أي شيء قبل ذلك، فقد ظهرت
مجازفة تتمثل في طرح عدد كبير للغاية من الخطط التنموية والمشروعات ووضعها موضع
التنفيذ في آن واحد· وقد وجدت معظم هذه الخطط والمشروعات ترحيباً ملموساً من الحاكم
الذي شارك بحيوية في مناقشات نشطة وجادة مع الشركات والأفراد، إلا أنه عاد وافتعل
مشكلات لا حصر لها أثناء تنفيذ المشروعات·
لذا
فقد تعطل العديد من المشروعات الجديرة بالاهتمام؛ وعلى سبيل المثال فقد بقيت أبوظبي
محرومة من الحصول على محطة للكهرباء لأن الحاكم قد اختلف مع المتعهدين· وتكرر الأمر
نفسه في مواقف مختلفة حيث عرفت أبوظبي العديد من المشروعات غير المكتملة، والتي ظلت
أدلةً صامتةً على الطريق المسدود الذي وصل إليه الحكم في الإمارة؛ فقد تم وضع الخطط
لإنشاء الطرق، ولكنها لم تنفَّذ إطلاقاً، في حين كاد مشروع تمديد خط أنابيب المياه
من العين إلى الساحل يفشل بسبب عدم اتخاذ قرار بشأن تعيين المستشارين الضروريين
لتنفيذ الأعمال المتعلقة بالتخطيط والمسح التمهيدي·
أما
في المجال السياسي فكانت القضية الأخطر هي تردد الحاكم حيال فكرة تشكيل جيش خاص
بإمارة أبوظبي، إذ كان الشيخ شخبوط يؤمن بأهمية أن يكون لإمارة أبوظبي جيشها الخاص،
وليس مجرد قوة تشريفات كما تصورها في بداية الأمر، وأن تكون قوة عسكرية نظامية
فاعلة ومؤثرة وقادرة على أداء المهام نفسها التي كانت تقوم بها قوة كشافة ساحل
عُمان· وبعد أن ترددت الحكومة البريطانية بدورها لفترة وجيزة، تبين لها مزايا هذا
الاقتراح، واتخذت إجراءات لإعارة ضباط بريطانيين وفقاً للشروط المعتادة الخاصة
بانتداب الضباط وتوريد المعدات، ولكن ما إن بدأ تنفيذ الخطة وتم الانتهاء من اختيار
الضباط وطلب المعدات حتى بدأ الحاكم يضع شروطاً ويبدي الكثير من الاعتراضات· وأعلن
الحاكم أنه قد تم إبلاغه في البداية بأن الحكومة البريطانية ستتحمل تكلفة انتداب
الضباط وكبار ضباط الصف، بل وكان مستاءً عندما عرضت عليه مراسلات تثبت خلاف ذلك،
وحتى تلك اللحظة كان الشيخ زايد والبريطانيون يأملون أن يستوعب الشيخ شخبوط متطلبات
المرحلة الجديدة، وإن كانت كافة الشواهد تشير إلى غير ذلك، وعندما ثبت العكس مرةً
تلو أخرى أدى هذا إلى نقطة تحول حاسمة·
زايد ··
والقضايا الثلاث
كان
الشيخ زايد مشغولاً آنذاك بثلاثة أمور على وجه التحديد؛ وهي تحقيق الرفاهية
الاجتماعية لشعبه، والتنمية الاقتصادية، والوحدة الإقليمية؛ فقد كان يؤمن إيماناً
عميقاً بأن شعب إمارة أبوظبي بمجمله يجب أن ينعم بمستوى الحياة نفسه الذي كان يحظى
به أهل العين في ظل سلطته منذ فترة طويلة· وفي حقيقة الأمر فإن الشيخ شخبوط قد توقف
منذ فترة طويلة عن التدخل في أسلوب إدارة الشيخ زايد لمدينة العين· وقد اعتاد
الحاكم العيش في الواحة حيث الحياة أفضل من الإقامة في العاصمة، لذا استطاع أن
يشاهد بنفسه مكاسب التطوير والتحديث· وكان الشيخ شخبوط يقدر بصفة خاصة فوائد الطب
الحديث التي استفاد منها هو وأفراد عائلته، غير أنه بدا غير قادر على اتخاذ
القرارات الضرورية لتحقيق التنمية التي من شأنها رفع مستوى المعيشة لأهل الإمارة
جميعاً·
من
ناحية أخرى لـمَّح الشيخ زايد مراراً وتكراراً إلى أن هدفه الأسمى هو تحقيق الوحدة
والتعاون بين إمارات المنطقة، ولم يحد عن ذلك الموقف إطلاقاً· وكان يؤمن بأن أبوظبي
بفضل اتساع رقعتها وعدد سكانها وثقلها الاقتصادي قد قُدّر لها أن تؤدي دوراً
ريادياً في مثل هذا التطور، كما كان لديه إيمان راسخ بضرورة تقاسم ثروتها المتنامية
مع الإمارات الشمالية لما فيه منفعة الجميع، وأن مجلس الإمارات المتصالحة هو المنبر
الملائم لتعزيز فكرة التقارب بين الإمارات· وكان يؤيد أي مبادرة من شأنها أن تقرب
المسافة بين الإمارات؛ مثل إقامة نظام موحَّد لجوازات السفر، ونظام موحد للرواتب
والأجور، ونظم موحدة في مجال المرور· وقد ألح الشيخ زايد على شقيقه الحاكم ليساهم
في تمويل مجلس الإمارات المتصالحة، كما دعم الجهود البريطانية الرامية إلى تحويل
المجلس إلى مؤسسة فاعلة ذات صلاحيات محددة· غير أن الشيخ شخبوط كان يعرف تماماً كيف
يبدد الجهود الهادفة إلى إحداث أي تغيير لا يؤيده أو لا يقبله·
تنافس
بريطانيا ··والجامعة العربية
وحيث إن الشيخ زايد كان يؤمن إيماناً راسخاً بالوحدة وقيمها فقد صُدم حين بدأ الشيخ
شخبوط في عام 1965 يلمح إلى إبعاد أبوظبي عن المفاوضات بشأن إقامة الاتحاد· وكان
الانسحاب من جلسات المجلس أو الامتناع عن حضورها في مرحلة حساسة ودقيقة من مسيرته
يشكل تهديداً خطيراً لمصالح أبوظبي مستقبلاً· وجاء إعلان الشيخ شخبوط عن نيته في
هذا الخصوص عند منعطف حساس حيث كان البريطانيون قد وافقوا أخيراً على التخلي عن
رئاسة المجلس، فقد تقرر أن يتولى رئاسة المجلس أحد الحكام الذي ينتخبه نظراؤه
الآخرون في المجلس· وعندما تم تأسيس مكتب تطوير الساحل المتصالح، واتحد مع مجلس
الإمارات المتصالحة عام ،1965 كان من المفترض أن يتولى حاكم أبوظبي رئاسة المجلس،
غير أن الشيخ شخبوط رفض ذلك· وعلاوة على ذلك كانت المساهمة التي خصصها الشيخ شخبوط
لمكتب تطوير الساحل المتصالح هي الأقل، إذ بلغت 25000 جنيه إسترليني، في حين كانت
المملكة العربية السعودية على استعداد لتقديم عشرة أضعاف هذا المبلغ، كما عرضت
جامعة الدول العربية أكثر من ذلك· وكان المقيم السياسي يعتقد أن على حاكم أبوظبي أن
يساهم بنحو 1,5 مليون جنيه إسترليني في مشروعات تنمية المنطقة، وذلك من واقع مكانة
أبوظبي وما تتمتع به من عوائد نفطية ضخمة· غير أن الشيـخ شخبوط لم يكن يميـل إلى
زيادة حصة أبوظبي، وأخيراً رفع مساهمتـه إلى 75 ألف جنيه إسترليني، ولكنه ''أكد أن
ذلك بادرة صداقة للحكومة البريطانيـة···''·
أما
بالنسبة إلى الشيخ زايد كما هي الحال بالنسبة إلى الحكومة البريطانية فقد كان
لمكانة أبوظبي في مجلس الإمارات المتصالحة وفي مكتب تطوير الساحل المتصالح أبعاد
سياسية مهمة؛ إذ كان للحكومة البريطانية خططها، وكانت تخشى من أنه إذا ما مولت
جامعة الدول العربية المشروعات التنموية في الإمارات المتصالحة طبقاً لما وعدت به
فإن موقف الحكومة البريطانية سيضعف على نحو لا يمكن استدراكه لاحقاً، أما الشيخ
زايد فكان ينظر إلى التعاون مع المملكة العربية السعودية بطريقة مختلفة في ضوء
العلاقات والتجارب السياسية السابقة للإمارة معها·
ورغم هذه الاهتمامات السياسية المتباعدة فإنه كان للشيخ زايد والحكومة البريطانية
رأي مشترك بشأنها؛ وهو أن أبوظبي لم تعد تحتمل تجاهل العملية التنموية، حيث لم تكن
لدى الحاكم نية لتغيير سياساته حتى ذلك الوقت· وكان من المحتمل أن تترتب عواقب
وخيمة على انسحاب أبوظبي من المناقشات الخاصة بمكتب تطوير الساحل المتصالح، فقد كان
في إمارتي دبي والشارقة مرافق تجارية وتعليمية غير موجودة حينئذ في أبوظبي، وكان
الشيخ زايد يرى أن الجهود التنموية المنسقة قد تمضي قدماً من دون أبوظبي، غير أن
ذلك ينطوي على مخاطر جمة بالنسبة إلى الإمارة نفسها والمنطقة برمتها·
جيش
أبوظبي
وكانت قضية تشكيل جيش أبوظبي هي المسألة الأخرى ذات الأهمية القصوى بالنسبة إلى
الشيخ زايد، إذ أدرك بحصافته أن أبوظبي ستحتاج إلى حماية نفسها ومصالحها في
المستقبل· وقد عايش الشيخ زايد واقعة استرداد منطقة حماسة عام ،1955 ورأى بنفسه مدى
فاعلية مجموعة صغيرة من العسكريين المدربين والمنظمين على نحو جيد·
لقد
أعجب الشيخ زايد بقوة كشافة ساحل عُمان، إلا أنه كان يعتبرها حامية بريطانية تتلقى
أوامرها من لندن، ولم يكن من الممكن وضعها تحت إمرة حاكم أبوظبي· وأبلغ الشيخ زايد
الوكيل السياسي البريطاني في أبوظبي إيه·تي·لام في أكتوبر 1965 ''أنه قد تحدَّث مع
الشيخ شخبوط على انفراد حول أهمية استقدام ضباط عسكريين بريطانيين لتشكيل الجيش
وتدريبه وقيادته···''·
وفي
التقرير ذاته أضاف لام أيضاً ''إن الشيخ زايد حريص على أن يكون لأبوظبي جيشها
الخاص، لا للدفاع عنها فحسب، بل كي يُصبح مؤسسة ذات تنظيم جيد تساهم في تأمين ثروة
أبوظبي ومصالحها· وينظر الشيخ زايد إلى الجيش باعتباره قوة رادعة للأعداء
المحتملين··· وجزءاً أساسياً من تنظيم الحكومة···''·
إن
رؤية الشيخ زايد للدور الذي سيضطلع به الجيش، والتي لم يعبر عنها علانيةً قبل توليه
مقاليد الحكم، تقف دليلاً على سعة أفقه وبصيرته النافذة، فقد أدرك الدور الرئيسي
الذي يمكن أن يؤديه الجيش في تهيئة المناخ المناسب لعملية التحديث والتنمية في
إمارة أبوظبي· وكان اطلاعه على الأحداث الجارية في المنطقة من حوله يلفت انتباهه
إلى أهمية الجيش في تركيا وإيران ودوره الرئيسي في التحولات التي شهدها العراق،
وكذلك ضرورة أن يكون مثل هذا الجيش تحت السيطرة السياسية التامة للحاكم، وكان تعيين
عدد من كبار القادة البريطانيين والمدربين المحترفين من القضايا المهمة في هذا
الصدد· كذلك لم يغفل الشيخ زايد عن الدور الذي سيضطلع به الجيش في خلق بيئة من
الاستقرار والأمن مشجعة على التطور، وأصبحت هذه الأفكار واضحةً في ذهنه منذ نهاية
عام 1965.
القرار
الحاسم
في
6 أغسطس 1966 أقدم الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان على ما اعتبره الكثيرون قدره
المحتوم، وعندما سمع أهالي أبوظبي بما حدث كان لذلك وقع المفاجأة عليهم، وتوالت
التقارير من كافة أنحاء أبوظبي وهي تشير إلى أن الشيخ زايد قد نجح في نقل السلطة
بطريقة سلسة· وكان الشيخ زايد ذكياً في ذروة نضجه، يحظى باحترام الجميع على
الصعيدين المحلي والدولي، وقد وهبه الله الثروة والعزيمة لينفق الأموال على ما فيه
مصلحة شعبه· كما كان من شأن تولي الشيخ زايد مقاليد الحكم في أبوظبي أن فسح الأمل
أمام كثيرين خارج حدود أبوظبي، وأدرك لام ذلك حين قال:''··· من المرجح أن تكون
أبوظبي أضيق مما يطمح إليه الشيخ زايد· وتقوم سياسته المعلنة على احترام استقلال
إمارات الخليج، وهو يسعى بكل ما في استطاعته إلى توثيق أواصر الصداقة والتعاون
بينها· ويرى أنه سيكون صاحب الدور الرئيسي في تحقيق ذلك، وقد ينجح في ذلك بفضل
قدراته التي لا تنكر··· ولعل هناك فرصة طيبة سانحة بأن يتحقق التعاون بين إمارات
الساحل المتصالحة على أكمل أشكاله· وفيما مضى لم يكن لأبوظبي دور في هذا المجلس
(مجلس الإمارات المتصالحة)، أما في المستقبل فمن المرجح أن يصير لها دورٌ بارزٌ،
كان متوقعاً تماماً أن يبدأ الشيخ زايد برنامجاً اقتصادياً واجتماعياً ضخماً لمصلحة
شعبه، غير أنه بدأ أولاً بأمرين غير متوقعين، ولكن لهما مغزاهما وأهميتهما العملية.
إنهاء
العداء مع قطر
كان
أول عمل ذي مغزى يقدم عليه الشيخ زايد هو إنهاء حقبة طويلة من العداء المستحكم بين
أبوظبي وقطر، فللمرة الأولى منذ فترة طويلة تستقبل أبوظبي حاكم قطر وترحب بقدومه،
ليرد الشيخ زايد بعد ذلك بزيارة مماثلة إلى الدوحة· وأوضح الشيخ زايد أن العداوات
القديمة بين الجيران لا مكان لها في رؤيته للمستقبل، وأن الخلافات بشأن الحدود يجب
أن تحسم عن طريق الحوار والتسوية· وفي هذه الأثناء رحب الشيخ زايد بعودة أولئك
الذين رحلوا في عهد الشيخ شخبوط، أما أولئك الذين لم يرغبوا في العودة فقد مد إليهم
يد الصداقة وأبقاها ممدودة ليشدوا عليها متى أرادوا·
أما
العمل الرمزي الثاني الذي كان له مغزاه فهو أقل أهمية مقارنة بسابقه؛ إذ كان من أول
القرارات التي اتخذها الشيخ زايد أن أصدر مرسوماً يقضي بإصدار طوابع بريدية في
أبوظبي تحمل صورته بوصفه حاكماً لأبوظبي، واعتبر الشيخ زايد أن لذلك العمل أولوية
كبيرة، وحث الجهات المختصة على سرعة إصدار الطابع الجديد؛ وكان هدف الشيخ زايد من
ذلك هو أن يبرهن لشعبه على أن قوة دينامية جديدة وفاعلة قد تسلمت مقاليد الحكم، وأن
المستقبل قد أضحى أكثر إشراقاً·
وكان ذلك عهداً جديداً من نواح أخرى أيضاً؛ إذ كان للشيخ زايد علاقات صداقة راسخة
مع البريطانيين، غير أن ''لام'' ذكر في رسالته أنه:''على الرغم من أن الشيخ زايد قد
أشار في حديثه معي بشكل غير مباشر إلى هذه النقطة، فإنه كان ذكياً ولماحاً ومراقباً
لأحداث العالم، بحيث لم يكن يعتقد أن حكومة صاحبة الجلالة ستحتفظ بمكانتها الخاصة
في الخليج إلى الأبد··· لكنه يريد أن يضمن لنفسه أفضل وضع ممكن ليتمكن من الاستمرار
عند انسحابنا من المنطقة·
وأخيراً لابد من أن نشير هنا إلى أن الشيخ زايد كان حاكماً ذا حس سياسي عال،
ومهارات قيادية صقلت على مدى عشرين عاماً، ورؤية واضحة للمستقبل· وكان لام والشيخ
زايد متفقَين على أن المستقبل سيكون مختلفاً تماماً عن الماضي القريب، بعد أن وصلت
أبوظبي إلى نقطة التحول· وفي حديثهما كان الرجلان يدركان التوجهات السياسية
الجديدة، وكان كل منهما يدرك أن النفوذ البريطاني في المنطقة آخذ في التلاشي، وأن
الأقدار قد حتَّمت على الشيخ زايد أن يكون قائداً بارزاً، أياً كان الوضع السياسي
للمنطقة مستقبلاً·
بناء
''أبوظبي'' جديدة
*ركز المسؤولون البريطانيون الذين كانت حكومتهم تعاني تأثير التضخم في الداخل على
افتراض واحد وهو أن البنية المتخلفة أو غير المتطورة لن تحتمل الضغوط الناجمة عن
تنمية متسارعة إلى هذا الحد·
لم
تكن المهمة التي واجهت الشيخ زايد منذ أول يوم من توليه الحكم في السادس من شهر
أغسطس 1966 مهمةً يسيرةً بأي حال من الأحوال، إذ كان عليه أن يبني مجتمعاً جديداً·
ورغم الحماس والتأييد البالغين اللذين عبَّر عنهما كل أهالي أبوظبي لتوليه الحكم
فقد كانت فرحة الحاكم بترحيب شعبه ممزوجة بمشاعر القلق من ثقل المسؤولية الملقاة
على عاتقه، وذلك لأنه تولى مسؤولية الحكم بعد مرحلة مضطربة تمكن الشيخ شخبوط خلالها
من بسط السلم والأمن لفترة تقارب الأربعين عاماً· أما الشيخ زايد فكان متوقعاً منه
أكثر من ذلك بكثير، وكانت أولوياته الرئيسية هي تحقيق التنمية الاقتصادية
والاجتماعية في إمارة أبوظبي، وتوثيق الصلات مع الإمارات المجاورة له· ونستشف هذا
من العبارة التي قالها الشيخ زايد لزائر بريطاني يدعى جون دانيلز: ''أريد أن أحقق
التنمية التي تحتاج إلى خمسة أعوام خلال عام واحد لا أكثر''، غير أنه بعد توليه
السلطة حاكماً جديداً لأبوظبي واجه الشيخ زايد ضغوطاً سياسيةً من الأطراف ذات
المصالح، لم يواجه مثلها من قبل عندما كان ممثلاً للحاكم في العين·
كانت الخطط التنموية التي وضعت خلال عامي 1965 ـ 1966 تحت حكم الشيخ شخبوط سليمة،
إذ إنها شملت كل الأمور الرئيسية؛ من طرق ومحطات توليد كهرباء ومستشفيات وغيرها من
المشروعات الأساسية اللازمة للبنية التحتية، غير أنها لم تنفذ كما ينبغي بسبب عدم
التزام السلطة العليا في الإمارة بتنفيذها· وبتولي الشيخ زايد الحكم في أبوظبي تغير
الموقف تماماً، إذ وضعت سياسة تنموية جديدة، وبدأ العمل في تنفيذ المشروعات يجري
بكل حماسة واهتمام بالتفاصيل الدقيقة· وطوال الأعوام السابقة كان الشيخ زايد يبذل
كل ما في وسعه للدعوة إلى تنفيذ المشروعات التنموية ضمن ميزانية ملائمة وخطة معدة
بدقة تحت إشراف وزاري مباشر· وبتوليه الحكم في أبوظبي فقد أتيحت له الفرصة أخيراً
لتنفيذ تلك الرؤية فعلياً على النحو الذي يحقق طموحاته وطموحات شعبه فيما يتعلق
بتنمية أبوظبي وتطويرها·
بريطانيا·· والخوف من التغيير
ونتيجةً لهذه التطورات السريعة فقد أضحى حتماً على المسؤولين البريطانيين أن يعيدوا
تقويم مواقفهم، ففي حين كانوا يشتكون في الماضي قلة المشروعات التنموية، فإنهم
صاروا الآن قلقين من زيادتها خوفاً من المشكلات التي قد تترتب على إدارة التغيير،
وما لبثت الحكومة البريطانية أن أدركت أنها تتعامل مع حاكم ذي عزيمة صلبة وهدف
محدد، وقادر على توجيه دفة الحكم في إمارة أبوظبي· وفي هذا الصدد كتب المعتمد
السياسي البريطاني في أبوظبي إيه·تي·لام معلقاً على السياسة البريطانية نحو أبوظبي
وحاكمها الجديد قائلاً:''عند النظر في سياستنا تجاه الشيخ زايد أعتقد أن علينا أن
نتذكر دائماً عدة عوامل، وأخشى أن ينتهي الأمر إلى خلافات نحن في غنى عنها إذا ما
تجاهلنا هذه العوامل، وقد نكون الطرف الخاسر في هذه الخلافات· أولاً، أن الشيخ زايد
هو ابن الحاضر، وأنه ينظر إلى العالم كما هو الآن، لا كما كان من قبل، وأن سياستنا
الرامية إلى تحديث علاقاتنا مع حكام الخليج يجب أن تجعلنا نلتقي مع رغبة الشيخ زايد
في التوصل إلى فهم جديد لعلاقتنا معه··· ثانياً، يجب أن نبتعد عن اعتبار أبوظبي
مجرد إمارة من إمارات الساحل المتصالحة، مقارنة على سبيل المثال بأم القيوين···
ويجب أن نقبل حقيقة أن أبوظبي مشيخة (إمارة) مستقلة، ذات مساحة وثروة تفوقان مساحة
وثروة الإمارات الست الأخرى مجتمعةً··· ثالثاً: إن لدى الشيخ زايد استعداداً لقبول
آرائنا وتعاوننا معه بشأن تطوير إمارته· وأعتقد أن علينا أن نمد إليه يد التعاون
لثلاثة أسباب هي: أن ذلك يصب في مصلحتنا المالية والتجارية، وأن تحقيق التنمية
الناجحة والمتسارعة والمخطط لها بدقة ضمن برنامج زمني محدد في أبوظبي يصب في
مصلحتنا السياسية على المدى القصير، كما أن تطور أبوظبي إلى الحد الذي يضمن لها
المكانة اللائقة، ولا يجعلها مجرد إمارة من الدرجة الثانية وسط مجتمعها الأوسع في
الجزيرة العربية، سوف يكون لمصلحتنا السياسية على المدى البعيد، عندما يحين الوقت
الذي تتخلى فيه حكومة صاحبة الجلالة عن مكانتها الخاصة في منطقة الخليج العربي''·
اهتمام
أميركي
لم
تلفت الروح الجديدة المنبعثة من أبوظبي انتباه المسؤولين البريطانيين فحسب بل
تعدتهم إلى الأميركيين أيضاً، فعندما تولى الشيخ زايد مقاليد الحكم في أبوظبي لم
يكن للولايات المتحدة الأميركية ممثل مقيم فيها، وقد ظل البريطانيون يرفضون بقوة أي
اقتراح بتعيين قنصل أميركي في المنطقة، غير أن الولايات المتحدة الأميركية من جهتها
كانت تهتم اهتماماً بالغاً بالتطورات الجارية في المنطقة، وعملت على جمع المعلومات
المتعلقة بها من كل المصادر المتاحة لها· وتشير سجلات وزارة الخارجية الأميركية إلى
أن مصالح الولايات المتحدة ورؤاها كانت مختلفةً عن مصالح حليفتها بريطانيا ورؤاها·
وفي عام 1966 أرسل القنصل الأميركي في الظهران مذكرةً سريةً مطولةً إلى وزارة
الخارجية الأميركية حول التطورات السياسية في أبوظبي قال فيها:''بالإضافة إلى
موافقة حاكم أبوظبي الشيخ زايد على عقود مشروعات عديدة، فإنه يحاول أن يشكل تنظيماً
حكومياً··· ومنذ أن حل محل أخيه الشيخ شخبوط حاكماً لأبوظبي في مطلع أغسطس ركَّز
الشيخ زايد جهوده بشكل تام على التنمية الاقتصادية في إمارته المتخلفة نسبياً، غير
أنه حقق أيضاً تقدماً إلى حد ما في الناحية السياسية البالغة الأهمية، فالشيخ زايد
لم يرث أي هيكل إداري للحكم بالمعنى المعروف··· لذا فقد أصدر الشيخ زايد مباشرةً
مرسوماً تأسست بموجبه نواة لحكومة يرأس معظم دوائرهــا شخصيات من أسرة آل نهيان''·
إمارة
في طور التحول
منذ
اللحظة الأولى بدا أن حجم العمل المطلوب تنفيذه سيكون كبيراً بدرجة لم تعرفها
المنطقة من قبل، وبلغت الميزانية المقترحة لعام 1967 ـ وهي في حد ذاتها تغير جذري ـ
47 مليون دينار بحريني، خصص منها 35 مليون دينار لإقامة بنية تحتية في الإمارة،
وهذا أمر غير معهود· وبلغت التكلفة الإجمالية لمشروعــات التنمية حسب الخطة
الموضوعة 39,25 مليون دينار بحريني، أنفق منها 4 ملايين دينار على الصرف الصحي، و3
ملايين دينار على المستشفيات والمراكز الصحية، و3 ملايين دينار على المرحلة الأولى
من مراحل إنشاء ميناء يوفر للمرة الأولى مرفأ آمناً للسفن الكبيرة القادمة إلى
أبوظبي· كما خصص مبلغ 3,75 مليون دينار لبرنامج إسكان يهدف إلى بناء 2000 منزل، في
حين خصص مبلغ نصف مليون دينار بشكل مبدئي للإنفاق على التعليم·
وقد
اعتمدت أبوظبي في يونيو ،1966 أي قبل فترة وجيزة من تولي الشيخ زايد مقاليد الحكم،
الدينار البحريني عملةً لها، وفي عام 1966 بلغ النقد المتداول في أبوظبي 2,4 مليون
دينار بحريني· وفي السنة اللاحقة كان هذا الرقم قد زاد على الضعف ووصل إلى 5,4
مليون دينار بحريني تقريباً، وبحلول عام ،1970 وهو العام السابق لقيام دولة
الإمارات العربية المتحدة واعتماد عملة جديدة، وصل حجم النقد المتداول إلى 13,6
مليون دينار بحريني·
الخطة
الخمسية
وفي
20 مارس 1968 أعلن الشيخ زايد خطة خمسية مثلت استراتيجية تنموية لأبوظبي· وبطبيعة
الحال فقد سبقت الخطةُ الخمسيةُ التحولات السياسية التي شهدتها أبوظبي في أعقاب
انسحاب بريطانيا في عام ،1971 وقيام دولة الإمارات العربية المتحدة· غير أن الخطة
التي أعلنت في سياق ظروف عام ،1968 كانت خطة عملية ومستشرفةً للمستقبل، إذ استندت
إلى خبرة الإنجازات التي تحققت خلال فترة النمو السريع (1966 ـ 1968)، واستفادت من
المشكلات التي صاحبت هذا النمو· وقد تغيرت بعض أولويات تخصيص الأموال عما كانت عليه
في مشروع ميزانية عام ،1967 فقد وفرت الميزانية الأولى الإمكانيات اللازمة لتنفيذ
الخطط التي كانت مقترحة والمشروعات التي ظلت معلقة لأعوام قبل أن يتولى الشيخ زايد
مقاليد الحكم؛ لذا فإن اهتمام ميزانية عام 1967 كان موجهاً إلى تقويم الأوضاع
السابقة على وجه السرعة، وإدارة عجلة التنمية التي كانت معطلةً من قبل· وهكذا جاءت
خطة الأعوام الخمسة لتضع استراتيجيةً مدروسةً وطويلة الأمد·
شملت الخطة الخمسية الجديدة ميزانية مفصلة وبرنامجاً شاملاً تغطي كل نواحي الحياة،
وخصصت فيها ميزانية لكل قطاع، وبلغت حصة التعليم فيها 12,4 مليون دينار بحريني، مع
التركيز على بناء نظام للتعليم الابتدائي والثانوي في كل أرجاء الإمارة، فيما خصص
مبلغ 2,8 مليون دينار بحريني لمؤسسات التدريب المهني، على أمل أن تتمكن أبوظبي في
نهاية المطاف من تقليل اعتمادها على الخبرة الخارجية· كما خصصت الخطة الخمسية مبلغ
6,5 مليون دينار بحريني للصرف على بناء عدد من المستشفيات والمستوصفات الصحية،
ومبلغ 13,4 مليون دينار بحريني للتطوير الزراعي، معظمها لتوسيع شبكة المياه التي
ازداد الضغط عليها بسبب ارتفاع الطلب على المياه في أبوظبي والعين· وكان الشيخ زايد
يؤمن بأن أفضل طريقة في الزراعة هي تطوير أنواع من المحاصيل وسلالات من المواشي
تناسب الظروف المحلية؛ ولتحقيق ذلك أنشئت شبكة من مراكز الأبحاث ووحدات الإرشاد
الزراعي والحيواني التي حققت بدورها نتائج مهمة على مدى الأعوام اللاحقة·
بريطانيا·· وقرار انسحاب
بينما كانت التطورات الاقتصادية والاجتماعية في أبوظبي تسير وفقاً للخطة الموضوعة،
كانت البيئة الخارجية تشهد تغيرات متلاحقة، ولا نستطيع تحديد التوقيت الذي بدأت معه
الشكوك تراود الشيخ زايد بشأن احتمالات بقاء العلاقة التي صنعتها المعاهدات بين
بريطانيا وأبوظبي من جهة وبريطانيا وبقية إمارات الساحل المتصالحة من جهة أخرى،
لكنه كان ملماً بالمؤشرات الخارجية المتزايدة التي تدل على حدوث تغيير محتمل في
الوضع القائم· ولقد لمَّح المسؤولون البريطانيون أولاً إلى أن تحوُّلاً كهذا قد
يحدث، وذلك بُعيد توليه مقاليد الحكم في أبوظبي، ومن جهة ثانية فإن حكومة العمال
التي تولت الحكم في بريطانيا عام 1964 كانت مختلفة تماماً عن حكومات المحافظين التي
تعامل معها الشيخ زايد ومن قبله الشيخ شخبوط ولم تكن الآراء التي تتحدث عن التزامات
تجاه ''المستعمرات'' تحظى بشعبية في أوساط حزب العمال، كما أن الحكومة البريطانية
قد شرعت في برنامج تطوير اجتماعي وإعمار اقتصادي شامل يكلفها مبالغ طائلة·
كانت أخبار الانسحاب البريطاني متداولة قبل بدء المناقشات الرسمية بفترة طويلة، غير
أن التغيير عندما حدث فعلاً جاء دون إنذار مسبق· لقد مر الاقتصاد البريطاني بمرحلة
ضعف في منتصف الستينيات، والتزمت حكومة العمال الجديدة بتوجيه إنفاقها إلى المجالات
الاجتماعية، وبعد مراجعة دقيقة لبنود الميزانية لتحديد المجالات التي يمكن خفض
النفقات فيها أضحت المخصصات الدفاعية، التي ينظر إليها حزب العمال عادة بشيء من
الريبة، الهدف الأول لذلك· وفي 22 فبراير 1966 صدرت ''الوثيقة البيضاء'' حول الدفاع
لتعلن أنه يمكن توفير مبالغ طائلة في الميزانية إذا ما انسحبت بريطانيا من القواعد
البريطانية ''شرقي السويس''، مقترحةً أن تبقى الحماية على القواعد البريطانية في
الخليج مع إعطائها المزيد من الأهمية· وبحلول مايو 1967 وخلال تسعة أشهر من تولي
الشيخ زايد الحكم في أبوظبي تم توسيع نطاق خطة الانسحاب لتشمل انسحاب القوات
البريطانية من الخليج العربي أيضاً·36 وقبيل الإعلان الرسمي في 16 يناير 1968 أخبرت
الحكومة البريطانية الحكام أنها سوف تتراجع عن اتفاقياتها القائمة كافة، وتتخلى عن
مسؤولياتها كاملةً في الخليج مع نهاية عام 1971.
الطريق
إلى إقامة الاتحاد
ومنذ الإعلان في شهر يناير عن انسحاب القوات البريطانية ألزم الشيخ زايد نفسه بمهمة
أن تعتمد أبوظبي على ذاتها في فترة تعد وجيزةً··· وقد تقبل القرار البريطاني كما
هو، ولم يكن يراوده أي أمل قد يتأجل في نهاية المطاف· وعلى الرغم من أنه يمكن النظر
إلى هذه القضية من زاوية أكاديمية، فالاعتقاد السائد هو: أن أي عرض لتمديد فترة
الحماية إلى ما بعد عام 1971 كان سيواجه معارضةً حادةً من الحاكم، ربما لم يعجبه
القرار عند اتخاذه، غير أنه يدرك أن الأمر قد انتهى وحسم· لذا فقد كان الحاكم
مشغولاً طوال عام 1968 بالتوصل إلى طرق من شأنها ضمان استقرار أبوظبي بعد الانسحاب،
بالمشاركة مع الإمارات المجاورة··· وكان يعتقد أن أبوظبي تحت قيادته وبفضل ثروتها
سوف تصبح أهم إمارة في المنطقة''·
لم
يكن لدى السلطات البريطانية أي تصور في بدايات حكم الشيخ زايد عن كيفية استغلاله
للقوة الاقتصادية والسياسية الكامنة لأبوظبي، وكانت تتوقع أن يستخدمها للضغط على
الإمارات المجاورة ليحقق مكاسب ذاتية· ولكن ما حدث في حقيقة الأمر كان عكس ذلك
تماماً؛ إذ أدرك الشيخ زايد من البداية أن لكل إمارة (ولجيرانه الآخرين في الواقع)
مصالح وبرامج عمل خاصة بهم؛ فقد استفادت الشارقة من موقع القاعدة الجوية البريطانية
على أراضيها، وتطورت في مجالي الصحة والتعليم· وأضحت دبي تحت القيادة الفذة للشيخ
راشد أكثر إمارات المنطقة تقدماً من الناحية الاقتصادية· وقد أقام الشيخ زايد
علاقات عمل شخصية راسخة مع كل حكام المنطقة قائمة على الاحترام المتبادل، مدركاً أن
العلاقات الشخصية الجيدة لا تعني بالضرورة توافقاً تاماً في المواقف بين الإمارات
تجاه مختلف القضايا· في هذا السياق الجديد أضحى تعيين الحدود السياسية لكل إمارة
أمراً ذا أهمية اقتصادية بالغة؛ وهذا ما تطلَّب بدوره مهارةً فائقة في التفاوض من
أجل تسوية الخلافات القائمة بشأن المصالح الخاصة لكل إمارة، في الوقت نفسه الذي
تراعى فيه المصالح العامة للمنطقة بأسرها·
وسرعان ما تبين أن الحاكم الجديد لأبوظبي يمتلك رؤية واسعة تتجاوز المصالح الضيقة
لإمارته لتصل إلى التعاون العام في المنطقة؛ وقد عبَّر الشيخ زايد عن ذلك بنفسه حين
قال إن سياسته تقوم على تعزيز أواصر الصداقة والتعاون بين إمارات الخليج التسع،
وإنه سيسعى إلى تحقيق ذلك بكل ما في وسعه· وكان يُنظر إلى الشيخ زايد باعتباره
حاكماً عربياً له معرفته وخبرته بالدول العربية المجاورة؛ تلك المعرفة والخبرة
القيمة التي يمكن الاستعانة بها عند وضع السياسات الخاصة بالمنطقة، وقد أكد أنه
سيعتمد الدبلوماسية الشخصية، وسيستفيد من اتصالاته في معالجة المشكلات التي يتم
التعامل معها عادةً من خلال القنوات الرسمية، كان الحاكم صريحاً غير أنه كان لبقاً
أيضاً·
زايد
وراشد ·· معا على الطريق
أما
العلاقات مع دبي فكانت أكثر القضايا حساسية، فلقد تكوَّنت العلاقة الشخصية التي
ربطت الشيخ زايد والشيخ راشد وترسخت على مدى أعوام طويلة· وفي مناسبات عديدة ساعدت
لغة التفاهم والحوار التي جمعت هذين الزعيمين على تسوية بعض الخلافات التي كان يمكن
أن تتفاقم· وعندما أصبح الشيخ زايد حاكماً لأبوظبي كانت هناك قضية حدودية غير
محسومة يمكن أن تؤدي إلى تدهور العلاقة بين الإمارتين على المدى البعيد، كما حدث في
الماضي، ولكن الطريقة التي سوِّيت بها هذه القضية وما قامت عليه من تفاهم حقيقي بين
الطرفين عكست بما لا يدع مجالاً للشك مدى الحنكة التي يتصف بها الحاكمان.
خلال الأعوام الثلاثة التي كان من المفترض أن تشهد تحركاً في اتجاه إقامة الاتحاد
وضع الشيخ زايد نصب عينيه أن ينشئ البنية التحتية في أبوظبي ويعزز قوتها، باعتبار
ذلك أهم أولوياته· وكان مما جعل التنمية الاقتصادية والاجتماعية أمراً مُلحاً ذاك
الغموض المحيط بالمستقبل القريب، وكان الحاكم يرى أنه إذا ما انتهت كل تطلعاته نحو
تحقيق الاتحاد إلى الفشل فإن عليه أن يطمئن إلى أن أبوظبي قادرة بمفردها على البقاء
وتحقيق الازدهار· وفي الوقت الذي كان فيه الشيخ زايد يعكف على ضمان تحقيق التطور في
أبوظبي كان عليه أيضاً أن يقوم بتحركات دبلوماسية مدروسة لتحقيق الوحدة في المنطقة·
لقد كانت أهداف الشيخ زايد العريضة واضحةً: التنمية الاجتماعية والوحدة بين شعوب
المنطقة·
وكان يعرف أن السياق الذي يمكن تحقيق ذلك فيه إنما هو سياسي في أساسه، إذ إن
الاتحاد الجديد كان عليه أن ينشأ في بيئة سياسية ذات ظروف خاصة؛ حيث إن أكبر دولتين
في المنطقة، إيران والسعودية، كانت لهما مطالب في أراضي الدولة الوليدة· وكان من
الممكن أن تقدم هاتان القوتان الإقليميتان مساعدةً سياسيةً واقتصاديةً للاتحاد عند
قيامه، غير أن ذلك كان سيتم في مقابل أن تخضع الدولة الاتحادية الجديدة لمصالح هذه
القوة أو تلك· ولم يكن الشيخ زايد ليقبل عرضاً كهذا تحت أي ظرف كان·
وكانت رؤية الشيخ زايد تنطلق من أن الاتحاد الجديد يجب أن يتمتع باستقلالية تامة،
وأن يكون آمناً اقتصادياً وسياسياً، وأن يكون لديه القوة العسكرية القادرة على ردع
أي معتد، ولكنه كان يرى أيضاً أن أفضل حصانة للاتحاد الجديد هي أن يقيم علاقة صداقة
تخدم المصالح المشتركة مع الدول الأخرى، ورغم الرغبة الصادقة في التعاون وبناء
الصداقة، فقد كان واضحاً أن الشيخ زايد سيحكم على المساعدات التي تُعرض على أبوظبي
والاتحاد الجديد بموضوعية تامة، وأنه لن يساوم على مصالحهما مهما كانت التكلفة· وفي
هذا السياق كان لدور الأمم المتحدة أهمية بالغة في فكره وفكر مستشاريه، وكان ضمن
رؤيتهم أن ينضم الاتحاد الجديد إلى الأسرة الدولية ويصبح عضواً فاعلاً بالمجتمع
الدولي بمجرد نيله الاستقلال· ورغم أن ذلك لن يوفر للاتحاد الجديد قوة عسكرية، فإنه
سيشكل دعماً معنوياً· وعبَّر الشيخ زايد فيما بعد عن إيمانه ''بتوثيق أواصر التعاون
والصداقة بين الحكومات على أساس مبادئ ميثاق الأمم المتحدة والمبادئ المثالية
للعلاقات الدولية، وكذلك تعزيز الجهود المبذولة لترسيخ السلم والعدل لما فيه مصلحة
البشرية·
ومع
بداية المفاوضات المطوَّلة عام 1968 كان الهدف واضحاً ومحدداً في ذهن الشيخ زايد،
وقد حرص على أن يبيِّن دون أي لبس أن أبوظبي كلها ملتزمة بالوحدة، وفي الوقت ذاته
أتاح للآخرين أن ينطلقوا في جولات دبلوماسية متصلة، منتظراً أن يجد الحكام الآخرون
سبيلاً ملائماً للتعاون فيما بينهم، ومؤكداً التزامه بالعمل معهم· وأثناء مراقبته
لما كان يدور حوله وصلت المفاوضات إلى طريق مسدود نتيجة للمنافسة السياسية
والشخصية، إلى حد أن فكرة الاتحاد بحد ذاتها بدت وكأنه قد حُـكم عليها بالفشل،
وأنها لن تبعث أبداً· في تلك اللحظة وعندما بدا الأفق حالكاً تقدم الشيخ زايد بنفسه
ليحمل مسؤولية الدعوة إلى إقامة اتحاد الإمارات العربية·
|