|
ظلت
القضايا الأمنية والدفاعية أكثر ما يشغل بال الأطراف التي دخلت المفاوضات من أجل
إقامة اتحاد تُساعي
يمثل كتاب (بقوة الاتحاد ـ صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان ـ رحمه الله ـ
القائد والدولة) نقلة نوعية في تناول أدوار الزعماء والقادة الذين صنعوا أحداث
التاريخ لجهة التأكيد على الخصوصية بمختلف أبعادها ( التاريخية والدينية والثقافية
والمجتمعية إضافة إلى القبلية) ضمن رؤية علمية غير غارقة في التبجيل ولا التعظيم
،ولكنها في الوقت ذاته معترفة ومشاركة ومقدرة عبر عمل بحثي علمي موثق لأفعال
ومواقف المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان ''رحمه الله''، خصوصا عمله
الوحدوي المتعلق بقيام دولة الإمارات وبمشاركة واعية من إخوانه حكام الإمارات لقد
بدأ هذا الكتاب فكرة ثم تحول إلى مشروع وهو بين أيدينا اليوم مرجع ـ لا غنى عنه ـ
للباحثين والمؤرخين والسياسيين والكتاب، بل لكل القراء والمحبين للقائد الراحل الذي
شكل علامة دالة ومميزة في تاريخنا المحلي والخليجي والعربي والإسلامي والعالمي أيضا
، ومن هنا جاءت طبعته الإنجليزية حتى لا يظل الكتاب حكرا على القارئ العربي ، لأن
الشيخ زايد قائد عالمي، وهذا نجده موثقا وباعتراف واضح من زعماء العالم ومؤرخيه ،
لذلك فهو لا يكتفي بالحديث عن الماضي والحاضر،إنما يتجه صوب المستقبل، وهذا يدفعني
إلى اعتباره ''كتاب الأجيال'' ·
من
ناحية أخرى فإن أهمية الكتاب جاءت واضحة في تقديم '' الفريق سمو الشيخ محمد بن زايد
آل نهيان ولي عهد أبوظبي'' إذ أبدى سموه تحمسا لفكرة الكتاب حين عرضها عليه مركز
الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية، حيث كتب : ''تحمست للموضوع كثيرا ، ويعود
ذلك لعدة أسباب أولها: إن الرؤية التي طرحت علي كانت رؤية جديدة تتبنى منهجا علميا
موضوعيا وجادا في كتابة سيرة حياة الوالد القائد، مما سيميز هذا الكتاب عن غيره من
السير الذاتية الأكثر شيوعا، كما سيعتمد المعايير الأكاديمية الموضوعية والمنهجية
العلمية من أجل تقديم رصد موثوق لحياة الشيخ'' زايد'' وإنجازاته، ذلك القائد الذي
امتزج تاريخه بوطنه الذي يعود إليه الفضل بعد الله تعالى في انتقاله من مجرد فكرة
إلى حقيقة واقعة ننعم بها جميعا''··
كما
أضاف في التقديم نفسه : ''يمثل هذا الكتاب بحق مساهمة تأتي أهميتها من واقع تركيزها
على قضية الوحدة التي طالما شغلت المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ
زايد ـ رحمه الله ـ كما
يبين الكتاب التفكير السياسي عند الشيخ زايد ، وما يتصف به من حذق ووضوح ، وهو
الأمر الذي يستشف من كلماته وحديثه ، وكذلك في كلمات معاصريه الذين عبروا عن رأيهم
فيه حينئذ لتبقى آراؤهم حبيسة الأرشيف سنوات عديدة'' ،وأحسب أن هذا الكتاب قد تميز
بالفعل عن الكتب السابقة عنه بالمعلومات الموثقة، وباتباع المنهج العلمي والتحليل ،
وبذلك ثبت صدق رؤية ''الفريق
سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي''
يقع
الكتاب الذي بين أيدينا في ثلاثة أبواب حمل الأول عنوان '' التراث '' وفيه جاء
الحديث ـ ضمن ثلاثة فصول ـ عن القبيلة العربية و''عصر عاصف'' وممثل حاكم العين، في
حين حمل الباب الثاني عنوان
''التحول ''، واشتمل على ثلاثة فصول أيضا وهي حتمية التغيير ومبايعة حاكم جديد
وبناء أبوظبي جديدة ، أما الباب الثالث والأخير فقد حمل عنوان ''الاتحاد''، واشتمل
على أربعة فصول هي : مولد دولة ، وبناء الدولة،
والدفاع عن الدولة والمحافظة على منجزاتها ،و'' بقوة الاتحاد'' ،وللعلم فإن الكتاب
من إصدارات مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية، المعروف بدراساته وبحوثه
المتميزة ·
يأتي عرض'' بقوة الاتحاد في حلقات وفقا لطريقتها الخاصة في عرض الكتب ، معتمدة على
التركيز مع الإيجاز، وتقتضي الأمانة قبل بدء العرض توضيح ثلاث مسائل أساسية، أولها:
إن هذا العرض لن يكون بديلا بأي حال من الأحوال عن قراءة الكتاب كاملا، وثانيها:
تبعا للقضية الأولى فإن العرض تم بتصرف مراعيا في ذلك المساحة المتاحة ومتطلبات
قارئ الجريدة، ما يعني ضرورة العودة إلى الكتاب، يضاف إلى ذلك أنه لم يتم عرض
الوثائق والهوامش وهي من الأهمية بمكان ، وهذا بسبب خضوع العرض لمتطلبات النشر في
الجريدة ، وثالثها: إن ما يقدم في هـــذه الحلقات هو مجرد اختصار - مبرر- للأفكار
الكبرى التي يحتويها هذا الكتاب، وبما انه كتاب أجيال ـ كما ذكرت في البداية ـ فمن
الضروري تداوله ووجوده في كل المكتبات العامة والخاصة، بعد أن تبين لنا ـ وسيدرك
القارىء الكريم بالعودة إليه ـ أنه يكشف عن كثير من القضايا والمواقف الخاصة
بالقائد الراحل·
والكتاب يجيب عن كثير من التساؤلات المطروحة على مختلف الصعد التاريخية والسياسية
والقبلية والحضارية، وفي ذلك فليسع كل منا إلى الحكمة عله يحصل عليها، ومن فعل ذلك
فقد أوتي خيرا كثيرا، خير للأجيال الراهنة والمستقبلية، وفي ذلك تأكيد وتفعيل
واستمرارية وتذكير بأفعال المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد (رحمه الله(
.
اعتبر الشيخ زايد تسلمه مقاليد الحكم في أبوظبي فرصةً لترجمة مبادئه إلى خطوات
عملية والمضي قدماً في تنفيذ رؤيته للوحدة والتطوير والتنمية ولم يعتبر الشيخ زايد
منصبه تتويجاً لحياته السياسية، بل منطلقاً لخدمة أهالي أبوظبي وعلاوةً على ذلك
بدأت المشروعات التي دُشنت في عهده تغير ملامح أبوظبي ليعم الرخاء، وكان ذلك كله
مقدمة لتحقيق حلمه العظيم، وهو وحدة إمارات المنطقة وتكاملها بحيث يجني الجميع ثمار
التطور·
يتسم مفهوم الوحدة عند الشيخ زايد ببعد أخلاقي عميق، فهي لم تكن مطلقاً مجرد وسيلة
لتحقيق مصلحة سياسية ضيقة، وإنما كانت في ذهنه مبدأ فلسفياً يمثل جوهر الوجود
الإنساني وضمانة استمراره، وهو يعتبر الوحدة كالنهر الذي يزداد قوةً وغزارة، إذ تصب
المياه فيه من كل صوب أثناء تدفقه، كان الشيخ زايد يرى أن من البديهي أن تزول
الخلافات والانقسامات السياسية بين شعوب الأرض، وأن تتحطم الحواجز التي تحولُ دون
تقدم البشرية من فقر وجهل ومرض، وأن حالة الانقسام والتشرذم هي سبب ضعف البنية
الاجتماعية، ويؤمن إيماناً تاماً بأن ما يحققه الاتحاد يفوق مجموع ما تحققه إمارات
متفرقة، وكانت هذه الرؤية الواسعة حاضرة دائماً ضمن أحاديث الشيخ زايد عن الوحدة·
وكان الجزء الأول من رؤيته البعيدة هو إقامة دولة الإمارات العربية المتحدة كدولة
مستقلة ذات سيادة تشكل خطوة على درب الوحدة، فلقد بُنيت دولة الاتحاد على هدي هذه
المبادئ
السياسية والقيم الخُلقية العميقة، وكان من المقرر أن يتبع ذلك تحقيق تكامل أوسع
وتعاون أوثق مع دول الخليج العربية تحديداً والعالم العربي بصفة عامة.
دروس
عهد الصبا
لقد
استوعب الشيخ زايد أهمية الوحدة منذ صباه الباكر، حين كان يمضي بعضاً من وقته في
مجلس أبيه، وقد أدركها بدايةً في رجال القبائل الذين يفدون إلى المجلس بهمومهم
وقضاياهم المنفصلة والخاصة، ولكنهم يظلون ملتحمين ضمن نسيج القبيلة وتركت هذه
الصورة المبكرة انطباعاً مهماً لدى الشيخ زايد حول أهمية التكتل والاتحاد، لتتطور
لاحقاً إلى مبدأ راسخ في حياته وبعد أعوام عديدة عبَّر الشيخ زايد ببلاغة عن فكرته
هذه قائلاً: ''إن أبناء هذه المنطقة إخوة من أصل واحد، لغتهم واحدة ودينهم واحد،
وحتى الأرض التي عاشوا عليها منذ آلاف السنين وحدة واحدة'' ، لقد تصور الشيخ زايد
أن الوحدة بين شعوب الخليج العربي ستكون نموذجاً ملهماً للعالم العربي بأسره؛ فلو
كان بالإمكان أن تنجح هذه الوحدة في هذه المنطقة وتقوم بين قبائل مزقتها العداوات
العميقة ـ منها ما هو اقتصادي، ومنها ما يعود إلى قضايا وخلافات عفا عليها الزمن،
وأخرى تستند إلى عداوات راهنة ـ فإنها يمكن أن تتحقق في مناطق أخرى من العالم
العربي، وإذا ما وجدت شعوب الخليج العربي قاعدةً للتكامل فيما بينها، فإن الأجزاء
الأخرى في العالم العربي ستحقق التكامل أيضاً.
كان
الطريق إلى إقامة دولة الإمارات العربية المتحدة معقداً وشائكاً إلى حد بعيد
وباستثناء الشيخ زايد، فإن قلة من الأطراف الأخرى التي لها صلة بعملية إقامـة
الاتحـاد ـ وهي الحكومة البريطانية وإيران والمملكة العربية السعودية والإمارات
الأخرى في جنوب الخليج العربي ـ قد اتبعت سياسة ثابتة بهذا الشأن وقد شهدت
المفاوضات التي امتدَّت أعواماً ثلاثة الكثير من حالات الفشل والقليل من النجاح
ولكن في وقت مبكر، وتحديداً في إبريل 1968.
القوة
الدافعة
انطلقت
الخطوات الحثيثة نحو وضع إطار سياسيٍّ جديد للمنطقة في منتصف يناير 1968 عندما
أعلنت الحكومةُ البريطانيَّةُ فجأة أنها ستنسحب من المنطقة، ورغم أن القرار كان
مفاجئاً للحكام، فإنهم سرعان ما أدركوا أن عليهم الآن أن يقفوا صفاً واحداً لما فيه
مصلحة شعوبهم، ولكن
محاولاتهم ظلت مقيدة بفعل الوجود البريطاني الذي امتد إلى أكثر من قرن من الزمان
وفي الوقت ذاته أدت القوة العسكرية البريطانية دور القوة الرادعة والحامية في
مواجهة أطماع الدول المجاورة وبناءً عليه كانت دبلوماسية الدول القوية في المنطقة،
وخاصة المملكة العربية السعودية وإيران والعراق، مبنية على تواصل الدور البريطاني
في المنطقة .
كانت منهجية الشيخ زايد في إبرام اتفاقية الوحدة بين أبوظبي ودبي أول مؤشر إلى
الطريقة التي سيتبعها في المفاوضات المؤدية إلى الوحدة السياسية، فقد أظهر مرة تلو
الأخرى استعداده لاتخاذ خطوات جريئة مادامت تحقق هدفاً سامياً·
أما
أهمية التطورين اللذين تحققا - تسوية قضية حدودية وإعلان الاتحاد الثنائي - فقد
حظيت بالاعتراف من قبل الزعماء الآخرين في المنطقة، لقد أعطى الاتفاق أول مثال عملي
في المنطقة على حلِّ المشكلات الحدودية جزئياً، تلك المشكلات التي عاقت التعاون
الفاعل بين الإمارات حتى تلك اللحظة كما اعتبر الاتفاق أيضاً بادرة حُسن نية مهَّدت
الطريق أمام قيام اتحاد لا يقتصر على أبوظبي ودبي فحسب، بل يمتد ليشمل الإمارات
الأخرى أيضاً لقد كانت إرادة الشعب ورغبته في الوحدة عنصراً فاعلاً
ـ وإن لم
يكن أثره واضحاً بقوة ـ في بنية السلطة في المنطقة، ولكن الشيخ زايد أدرك أن هذه
''القوة الدافعة'' ستكون ذات أهمية بالغة في نشأة الدولة الجديدة·
لقيت اتفاقية إقامة الاتحاد ترحيباً واسعاً في العالم العربي، رغم المصالح الوطنية
المتباينة· ورحبت بريطانيا والولايات المتحدة بهذا التحرك، أما إيران فقد أبدت
معارضةً تامةً للاتفاقية كما كان متوقعاً، وبعد أقل من شهرين من إعلان قرار
الانسحاب البريطاني المرتقب بدا أن مشكلات المنطقة قد حُلَّت ظاهرياً على الأقل،
وفي غضون ذلك كان الشيخ زايد واعياً تماماً للفرق بين اتفاقية موقعة وإقامة كيان
سياسي يؤدي مهامه كما يجب، وقد علَّمته تجربته الطويلة في أبوظبي ألا يثق بالحلول
التي تُصاغ بسهولة، ولكن توقيعه اتفاقية جوهرية مع دبي جعله راضياً بأن يقوم الحكام
الآخرون بمعالجة التفاصيل الدقيقة المرتبطة بتحقيق اتفاق عملي على اتحاد جديد في
جنوبي الخليج العربي.
الأساس
السليم
رغم
أن الشيخ زايد لم يكن بعيداً عن المفاوضات في الفترة بين ربيع عام 1968 وربيع عام
1971 فإنه آثر أن ينتظر فرصةً ملائمةً للتدخل الحاسم فيها، فقد وصلت المفاوضات
الرامية إلى إنشاء اتحاد يضم الإمارات التسع إلى طريق مسدود بالفعل في أكتوبر 1969
ثم بذلت محاولات جديدة في يونيو 1970 لتنشيط الجهود المبذولة للتوصل إلى اتفاقية
ولكن ثبت لاحقاً أن المهمة مستحيلة، ففي 13 يونيو 1970 قدم الوفد البحريني مذكرة
رسميةً جاء في مقدمتها:
... "مضى أكثر من عامين على إبرام الاتفاقية الخاصة باتحاد الإمارات العربية، دون
أن يأخذ الاتحاد بين هذه الإمارات شكلاً حقيقياً أو قانونياً كما جاء في إعلان
الدولة الاتحادية··· وبما أننا نمر بمرحلة حاسمة في تاريخ أمتنا العربية عامة،
والخليج العربي خاصة، فإن علينا بالضرورة أن نبدأ في اتخاذ القرارات الجوهرية
المتعلقة بإنشاء دولة الاتحاد على أرض الواقع''
وقد
افترض الوفد القطري أن هذه الملاحظات حول التأخير تنتقص بصورة مباشرة من جهوده؛
فردَّ بأسلوب شديد اللهجة· وبدا
أن المشكلات في طريق قيام اتحاد الإمارات التسع تزداد شهراً بعد شهر، رغم الجهود
التي بذلتها المملكة العربية السعودية ودولة الكويت، إذ قال المبعوث الخاص للملك
فيصل إلى دولة الكويت الأمير نواف بن عبدالعزيز علانية إن السعودية لن تقبل أن تفشل
المفاوضات: ''المملكة العربية السعودية لن تقبل اتحاداً يضم سبع إمارات، وسوف تبذل
جهودها نحو تحقيق اتحاد يضمّ الإمارات التسع''·
وفي
منتصف يناير 1971 حينما اقترب الموعد المرتقب لانسحاب بريطانيا من المنطقة، قام وفد
رفيع المستوى يضم ممثلين عن المملكة العربية السعودية ودولة الكويت بزيارة ثانية
إلى الإمارات المعنية كلها، والتقى بحاكم كل إمارة على حدة وأصدر الشيخ زايد بياناً
رسمياً بعد أن التقى الوفد في 18 كانون الثاني/ يناير 1971 جاء فيه: ''ترحب حكومة
أبوظبي بالوفد السعودي ـ الكويتي وتبارك جهوده المبذولة نحو إنشاء اتحاد الإمارات
العربية وتتزامن هذه الجهود مع الجهود التي بذلتها أبوظبي ومازالت تبذلها لإنشاء
الاتحاد على أساس سليم''.
غير
أن مسألة أن يؤدي (الأساس السليم) إلى إقامة اتحاد تساعي أو سباعي لم تعد قضية ذات
معنى؛ إذ لم تكن هناك حتى تلك اللحظة أي تحركات محددة نحو إقامة أي شكل من أشكال
الاتحاد وفي 1 آذار/ مارس 1971 تصاعدت الضغوط للخروج من هذا المأزق، وبعد نحو تسعة
أشهر من الشكوك أكد وزير الخارجية البريطاني السير أليك دوجلاس ـ هيوم رسمياً في
مجلس العموم البريطاني استمرار حكومته في اتباع سياسة حكومة حزب العمال السابقة
فيما يتعلق بالخليج العربي، وأنّ القوات البريطانية سوف تنسحب في كانون
الأول/ديسمبر 1971 على أن تحلّ ''معاهدة صداقة'' بين الطرفين محل اتفاقية الحماية
السابقة غير أن هيوم أوضح تماماً أن بريطانيا سوف تسلم بعض المسؤوليات إلى سلطة
اتحادية مشكلة بصورة رسمية فقط، ورغم بعض الغموض فقد كان متوقعاً أن تُبرم معاهدة
الصداقة مع الاتحاد الجديد .
مساع
متواصلة ·· وقرارات حاسمة
بعد
أن عُهد إلى الشيخ زايد بمسؤولية إنشاء كيان سياسي جديد وقوي في المنطقة في منتصف
عام 1971 اتخذت الخطوات الرامية إلى تحقيق الوحدة بعداً أوسع، فقد كان الشيخ زايد
يعتقد أن تحقيق الاستقرار لا يكمن في التحالفات المصطنعة، بل يتحقق عبر إنشاء
مؤسسات اجتماعية وسياسية تعمل بتناغم طبيعي وتكامل تام، وهو ما يمثل تطوراً كبيراً
يتجاوز الشكل المقترح
واللافت للانتباه أن الشيخ زايد قد تمكن من توحيد آراء إخوانه الحكام حول صيغة أكثر
شمولاً، ولم يكن نجاحه في تحقيق هذا التطور راجعاً إلى كونه حاكم أكثر الإمارات
ثراءً في المنطقة فحسب، ولكن أيضاً لما يتمتع به من قبول على المستوى الدولي بوصفه
قائداً تحترمه جميع الأطراف المعنية وتثق به وبعد
التخلي فعلياً عن الخطط الطموحة لإنشاء اتحاد على نطاق أكبر أخذ الشيخ زايد زمام
المبادرة، وقام بتوجيه الدعوة إلى حكام الإمارات الست الأخرى للاجتماع في أبوظبي
للتباحث وإجراء مشاورات مشتركة بهدف السير قدماً في إنشاء اتحاد فعال.
وفي
28 ـ 29 حزيران/ يونيو عام 1971 عقد الشيخ زايد سلسلة من الاجتماعات مع حكام دبي
والشارقة ورأس الخيمة، وقد جاءت النتائج مخيبة للآمال من أحد جوانبها، حيث تركز
النقاش إلى حد كبير على تعديل وضع مكتب تطوير الإمارات المتصالحة ليستوعب مهام أوسع
وأشمل، وكان الاقتراح الذي تمت مناقشته يتحدث عن صيغة أكبر قليلاً من مجرد مكتب
للتنسيق، ووفق تصور الشيخ زايد كانت الصيغة المطروحة تمثل عائقاً أمام تحقيق
الوحدة، ولم
يتقبل الشيخ زايد روح اللامبالاة التي سادت الاجتماع تجاه الحاجة الملحَّة إلى قيام
الاتحاد وحتى في اجتماع مجلس الإمارات المتصالحة الذي حضره جميع الأعضاء في 10
تموز/ يوليو 1971 كان واضحاً أن أغلبية الإمارات ما تزال تفضل ترتيبات تعطيها
استقلالية واسعة وفي الواقع، فإن قضية إنشاء اتحاد سُباعي لم تدرج حتى في جدول
الأعمال ويبدو أن الشيخ زايد كان الوحيد الذي أدرك الحاجة الملحَّة إلى إنشاء دولة
ذات هيكل راسخ قبل أن يؤدي انسحاب بريطانيا إلى إغراق المنطقة بأكملها في حالة عدم
توازن محتمل وعلى الرغم مما نتج عن الاجتماعين من خيبة أمل فإنهما ساعدا على توضيح
المسافة التي ينبغي قطعها للوصول إلى إقامة دولة تستطيع
أن تؤدي مهامها قبل انسحاب بريطانيا من المنطقة .
اتخذ الشيخ زايد خطوات حاسمة في أعقاب كل من الاجتماعات آنفة الذكر مباشرة، فقد
أعلن أولاً في 1 تموز/ يوليو 1971 ـ بوصفه حاكماً لإمارة أبوظبي ـ أن الإصلاح
الدستوري في أبوظبي سيتم مستقلاً بذاته عن إطار أي اتحاد يتفق عليه وكان
المفهوم الضمني الواضح لتلك الخطوة أن أبوظبي تعتزم المضي قدماً للانتقال إلى مرحلة
الدولة سواء انضمت الإمارات الست الأخرى أو لم تنضم إلى الاتحاد المقترح وكانت
الخطط الخاصة بتلك الخطوة مُعدة سلفاً منذ شهور، ولكن من المستبعد أن يكون توقيت
الإعلان عنها قد جاء مصادفة، وكان من الخطوات الأولى التي اضطلع بها مجلس الوزراء
الجديد في أبوظبي الإعلان في 8 تموز/ يوليو 1971 عن إنشاء ''صندوق أبوظبي للإنماء
الاقتصادي العربي''، برأسمال مبدئي قدره 50 مليون دينار بحريني، ويعني
ما سبق أن فرص قيام اتحاد ناجح ستكون معدومة من دون مساهمة أبوظبي، وكانت الفكرة
التي استقرت في ذهن الشيخ زايد تتلخص في أن الدخول إلى مرحلة الدولة المستقلة قد
أضحى خياراً أفضل من قيام وحدة ضعيفة ومنقوصة وفي الوقت نفسه تعهدت أبوظبي ببذل
جهود حثيثة للتوصل إلى إنشاء اتحاد شامل بين الإمارات.
ثانياً، في 13 تموز/ يوليو 1971 ، وبعد ثلاثة أيام من المناقشات غير المثمرة على
الأغلب في مجلس الإمارات المتصالحة، بادر الشيخ زايد إلى طرح مسألة الاتحاد بشكل
مباشر، حيث توجه بالسؤال إلى حكام الإمارات الست الأخرى عما إذا كانوا راغبين في
الاتحاد أو لا، وعندئذ كان من الضروري أن يتخذوا قراراً قاطعاً بشأن خيارين صريحين،
فإما أن يقبلوا اتحاداً قوياً فعالاً حسب رؤية الشيخ زايد، وبمساندة اقتصادية
وأمنية قوية من إمارة أبوظبي، وإما الموقف الآخر الذي ستمضي فيه أبوظبي إلى تحقيق
غاياتها بمفردها وقد أبدى الحكام الستة رغبتهم في الاتحاد، ومنذ ذلك اليوم الحاسم
الذي أعاد فيه الشيخ زايد إلى الأذهان صورة جده الذي حمل اسمه، فرضت شخصيته القوية
وجودها في تحديد مستقبل المنطقة ووجهتها .
مولد
دولة
في
الثاني من كانون الأول/ ديسمبر 1971 رفع للمرة الأولى علم الدولة الجديدة، دولة
الإمارات العربية المتحدة في قصر الجميرة في دبي، وجاءت ألوانه ـ الأحمر والأخضر
والأبيض والأسود ـ لتعبر عن ارتباط تقليدي بالإمارات التي شكلت الاتحاد الوليد،
وحتى اللحظة الأخيرة كان هناك أمل بأن تنضم إمارة رأس الخيمة لتشكيل اتحاد من سبع
إمارات، إلا أن الدولة التي أعلن عن قيامها في 2 كانون الأول/ديسمبر 1971 كانت
تتكون من ست إمارات فقط وعلى الرغم من أن غياب رأس الخيمة كان أمراً يؤسف له، فإنه
لم يبدل الإرادة الجماعية القوية والهدف الذي تسعى إليه الإمارات التي وحَّدت
مصيرها، فقد اختارت أن تقف معاً من أجل الحفاظ على كيانها وتحقيق الفائدة المشتركة.
يتمثل الجانب المميز للإنجاز الذي حققه صاحب السمو الشيخ زايد في إنشاء الدولة
الجديدة بمشاركة إخوانه الحكام الذين وقفوا إلى جانبه وهو يرفع العلم الجديد، في
المزج بين القيم الأخلاقية السامية والتفهم العميق للحاجة الجوهرية إلى تحقيق
الاستقرار والازدهار الاقتصادي إن عملية إنشاء الدولة ـ بكل تعقيداتها، والتي جاءت
بعد ثلاث سنوات من التردد والطموحات السياسية المتقلبة ـ تم إنجازها في غضون أربعة
أشهر فقط فعلى الرغم من أن قرار الاتحاد قد اتخذ في 18 تموز/ يوليو 1971 فإن
الاستعدادات لإعلان مولد الدولة الجديدة لم تكتمل إلا في مطلع كانون الأول/ ديسمبر
من العام نفسه؛ أي فور انتهاء مسؤولية بريطانيا عما كان يعرف سابقاً بالإمارات
المتصالحة ولم تكن أجهزة الدولة الجديدة ومؤسساتها جميعها قد اكتملت في ذلك الوقت،
وعلى الرغم من ذلك فقد عقد المجلس الأعلى لدولة الإمارات العربية المتحدة اجتماعه
الأول في 2 كانون الأول/ ديسمبر 1971 فانتخب حكام الإمارات صاحب السمو الشيخ زايد
بن سلطان آل نهيان حاكم إمارة أبوظبي ليكون أول رئيس للدولة الجديدة، كما انتخبوا
حاكم إمارة دبي صاحب السمو الشيــخ راشد بن سعيد آل مكتوم أول نائب لرئيس الدولة،
وجاء هذا الانتخاب ـ الذي كان متوقعاً على نطاق واسع ـ ليشكل بلا ريب أوضح مثال على
عمق الروابط بين أبوظبي ودبي، والتي كانت بمنزلة حجر الزاوية في صرح الاتحاد منذ
البداية وقد جعلت المادة (94) من الدستور التوافق بين أبوظبي ودبي أمراً أساسياً
لتحقيق أي تطور رئيسي في الدولة الجديدة لقد
بدأ صاحب السمو الشيخ زايد وصاحب السمو الشيخ راشد المسيرة الشاقة نحو تحقيق
الاتحاد معاً، وكانت ضرورة إقامة الاتحاد هي الحقيقة الأساسية الواضحة التي وضعاها
نصب أعينهما، ولو لم تستمر أبوظبي ودبي في العمل معاً لما حققت عملية الوحدة ما
كانت تصبو إليه·
بنـاء
الدولـة
في
صبيحة يوم أغر من أيام كانون الأول/ديسمبر 1971 ارتفع علم أمام مقر منظمة الأمم
المتحدة في نيويورك؛ إنه علم دولة ناشئة انضمت حديثاً إلى المنظمة الدولية هي دولة
الإمارات العربية المتحدة، وارتبطت مجوعة الألوان التي شكلت العلم، وهي الأحمر
والأخضر والأبيض والأسود، بأعلام جميع الإمارات التي تكونت منها الدولة الوليدة، من
غير أن ترمز إلى إمارة معينة دون غيرها· وتم اختيار الشعار المميز للدولة الجديدة
بالقدر نفسه من الدقة، وهو الصقر رمز تراثها، بالإضافة إلى القوارب التي تعكس
الارتباط التقليدي لأبناء الإمارات بالبحر·
وبحلول الثاني من كانون الأول/ ديسمبر 1972 احتفلت دولة الإمارات العربية المتحدة
بعيدها الوطني الأول، فكانت الاحتفالات فرحة شعبية غامرة وتعبيراً عن شعور بالفخر
بما حققته الدولة الوليدة؛ فقد رفعت جميع مباني أبوظبي العلم الوطني، وتدفقت حشود
الأهالي يغمرها الحماس في شوارع المدينة لتشاهد للمرة الأولى عرضاً مهيباً لقوات
الدفاع، وحلقت الطائرات الحربية في سماء الاحتفال، وتلا العرض العسكري عرض آخر
للشباب الذين يمثلون كل إمارات الاتحاد· وعلى منصة العرض جلس لأول مرة صاحب السمو
رئيس الدولة ونائبه، وأصحاب السمو حكام الإمارات أعضاء المجلس الأعلى للاتحاد،
والوزراء وأعضاء المجلس الوطني الاتحادي، وعدد من كبار الزوار الذين حلوا ضيوفاً
على الدولة للمشاركة في الاحتفال، وعزفت الموسيقى السلام الوطني للمرة الأولى·
غطى
هذا التعبير الفياض عن الثقة بالوطن حقيقة المشكلات التي واجهت الاتحاد منذ
البداية؛ فمن جانب واجه الاتحاد مخاطر خارجية من جيران أقوياء لهم أطماع في أجزاء
من أراضيه أو يحتلون أجزاء منها بالفعـل، ومن جانب آخر كانت هناك تحديات داخلية
تمثلت في أن دولة الإمارات العربية المتحدة قد تكونت من إمارات متفاوتة في درجة
تطورها الاجتماعي والاقتصادي؛ ففي حين كانت أبوظبي ودبي الأكثر تطوراً، والشارقة
تملك تاريخاً عريقاً في مجالي التعليم والرعاية الصحية، فإن إمارات عجمان والفجيرة
ورأس الخيمة وأم القيوين كانت أقل تطوراً إلى حد بعيد، بسبب بعدها وقلة مواردها؛
ونتيجة لذلك فقد تركز جُلُّ نشاط الحكومة الاتحادية خلال العام الأول من إعلان قيام
الدولة على إنشاء بنية تحتية ملائمة في هذه الإمارات· وعلاوة على ذلك كانت الموارد
البشرية المؤهلة محدودة إلى أقصى درجة رغم ضخامة الموارد الاقتصادية الواعدة في
الدولة الجديدة،· وقد أضاف هذا الوضع أعباءً هائلة على رئيس الدولة وعلى القلة
المحدودة من المستشارين والمساعدين العاملين معه·
أبو
الأمة
كانت
القوة الرئيسية للنظام السياسي الجديد تكمن في عوامل عدة من أهمها التأييد المخلص
والواسع الذي حظي به، حيث لم يكن ممكناً أن يشكل أي تهديد قادم من الخارج أو نزعة
انفصالية في الداخل بديلاً يعود بأي نفع يعادل ما حققه الاتحاد· وكان صاحب السمو
الشيخ زايد مقتنعاً تماماً بأن الشعب سيقف إلى جانبه، بعدما أدرك أن قائده إنما
يعمل على تأمين مستقبل الدولة الجديدة وتحقيق تطلعات أبنائها· وغالباً ما يوصف
القائد العظيم بأنه ''أبو الأمة''، وقد استحق صاحب السمو الشيخ زايد هذا اللقب عن
جدارة، حيث لم يكن ممكناً أن تنشأ الدولة الجديدة الموحدة وتخرج إلى حيز الوجود
لولا عزمه وجهده الدؤوب· كان حجم المهمة التي اضطلع بها الشيخ زايد هائلاً، فقد
عرفت المنطقة برفضها لهذا النمط من السلطة الحكومية المركزية، حيث تعمل كل إمارة
على حماية هويتها واستقلالها الذاتي بكل إصرار؛ ولهذا السبب بالذات كان التمهيد
لقيام الاتحاد صعباً للغاية· ومع ذلك فقد تمثل التحدي الحقيقي الذي واجهه الشيخ
زايد بعد قيام الاتحاد في تحويل الوحدة إلى تجربة ناجحة على الصعيد العملي·
وبمحاولته إشاعة روح الوحدة السياسية وتعزيزها كان صاحب السمو الشيخ زايد في الواقع
يسعى إلى تحقيق تجربة وحدوية في بيئة مثقلة تاريخياً بكل ما من شأنه وأد هذه
التجربة، فضلاً عن عدم توافر سوابق مماثلة يمكن أن يقتدى بها·
وهكذا لم يكن مشروع الوحدة مقيداً بحدود أو قيود معينة، بل كان مفهومه ممتداً إلى
آفاق غير متناهية· ويمكن أن نقيس النجاح الذي حققه من خلال درجة إحساس شعب الإمارات
بالاعتزاز بدولته الجديدة والانتماء إليها والالتزام بأداء واجبه تجاهها· لقد عهد
صاحب السمو الشيخ زايد بالمهمة إلى أبناء شعبه، فترك لهم بلورة مفهوم الهوية
الوطنية بأنفسهم· بيد أنه شمل هذا الجهد برعايته المستمرة عندما كان في المراحل
الأولى، ففي مقابلة تلو أخرى كان الشيخ زايد يركز على هذا الموضوع الرئيسي ويبرز
جوانبه الأساسية إذ يقول: ''نحن بأنفسنا الذين رسمنا خطة الاتحاد، لا عن خبرة بل عن
إيمان بأمتنا، إيمان بالوطن وإيمان بضرورة الوحدة'' ويؤكد الشيخ زايد على القول:
''إن التجزئة ليست من طبيعة شعبنا، ولا نقول ذلك انطلاقاً من عواطف، وإنما عن نظرة
موضوعية للأمور'' لقد غرس صاحب السمو الشيخ زايد هذه المبادئ في وعي أبناء الوطن،
فآتت أكلها طيباً فيما تلا ذلك من سنوات·
الوفاء
بالعهد
جاء
مفهوم الشيخ زايد للاتحاد تعبيراً عن وفائه بالعهد الذي أخذه على عاتقه، فقد كان
ملماً بأسباب الخلافات بين الأسر الحاكمة في المنطقة وتفاصيلها، وقد استوعب ذلك في
مرحلة مبكرة من عمره، ولكنه لم يسمح لذلك الماضي البغيض بأن يلقي بظلاله القاتمة
على علاقاته الحالية· لقد تمكن في مطلع شبابه وبكل الهدوء والثقة، وخصوصاً من خلال
المنتدى المحايد المتمثل في مجلس الإمارات المتصالحة، من اكتساب احترام الحكام
وأولياء العهود في المنطقة· وبحلول حقبة الستينيات صار الشيخ زايد معروفاً في جميع
الأوساط بأنه رجل شرف، يمثل القيم والتقاليد العربية الأصيلة، وفي الوقت ذاته منفتح
ومتفهم لكل التغيرات التي يتطلبها العالم المعاصر، وربما كانت مخاوف بعض إخوانه
الحكام من هيمنة أبوظبي قد استمرت إلى حين، ولكن صاحب السمو الشيخ زايد ـ في سلوك
إنساني نادر ـ ظل يتصرف بمنتهى الحلم والبعد عن الضغائن والترفع عن الأحقاد، حتى
تجاه أولئك الذين اختلفوا معه· ويستند أسلوبه في معالجة الأمور إلى الحجة والإقناع،
فقد قال ذات مرة: ''أنا لا أفرض الوحدة على أحد، هذا استبداد· كل منا له رأي مختلف
عن رأي الآخر، نحن نتبادل الآراء والأفكار ونصهرها في بوتقة واحدة ثم نستخلص
جوهرها، هذه هي ديمقراطيتنا، إنها ديمقراطية الوحدة''·
بناء
الدولة ·· والأمن القومي
وإذا تأملنا المسيرة السياسية لصاحب السمو الشيخ زايد لأمكننا أن نتتبع نمطاً
واضحاً نراه مراراً في العقود التي تلت عام 1971 ففي حين تلتحم العناصر المختلفة في
سياسته، فإن هنالك مسارين رئيسيين لازَما مسيرته؛ ويمكن أن نسمي المسار الأول
''بناء الدولة'' وهو إنجاز عملية التحول إلى الشرعية على المستوى الداخلي· واقتضت
هذه العملية التعامل مع كيان دولة الإمارات العربية المتحدة باعتباره الامتداد
الطبيعي لتاريخ المنطقة، وفي الوقت نفسه قبول الخصائص الفردية التي تتميز بها كل
إمارة على حدة· أما المسار الثاني فيمكن أن نسميه ''الأمن القومي'' ويشمل البعد
الخارجي للسياسة الدفاعية والعلاقات الدولية، ويمكن أن نفسر أياً من التطورات
السياسية التي جرت منذ عام 1971 على أساس أولوية أحد المسارين في وقته على الآخر·
ويتضح لنا من كل أقوال صاحب السمو الشيخ زايد ومن تماسك سياساته واتساقها أنه كان
يريد بناء دولة تتمسك بالبعد الأخلاقي الراسخ في علاقاتها الخارجية، لكنه كان يدرك
أنه حتى الدول الضاربة جذورها في القيم الأخلاقية تحتاج إلى بذل الجهد من أجل
البقاء في خضم عالم السياسة الدولية الشديدة التعقيد، ومن ثم فقد عمل على صياغة
سياسات تضمن الحفاظ على كيان الدولة وتأمين استمراريتها وتوطيد أركانها، مع التمسك
بالمبادئ والقيم المثلى في الوقت نفسه·
بناء
القوات المسلحة
كان
بناء القوات المسلحة الاتحادية أول خطوة عملية وفعالة في مسيرة دولة الإمارات
العربية المتحدة؛ إذ شملت عملية نقل الحكومة البريطانية للسلطة في 22 كانون الأول/
ديسمبر 1971 توقيع صاحب السمو
الشيخ زايد اتفاقية تنتقل بموجبها قيادة قوة كشافة ساحل عُمان إلى دولة الإمارات
العربية المتحدة، ومثَّل ذلك أساساً لتشكيل قوات الدفاع الاتحادية · وبعد أسبوع من
هذا التاريخ سلمت الحكومة البريطانية رسمياً قيادة قوة كشافة ساحل عُمان إلى وزير
الدفاع بدولة الإمارات العربية المتحدة الفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم
الذي كان قد تسلم منصبه حديثاً·
وبُعَيد قيام الدولة وتحديداً في كانون الثاني/ يناير 1972 وجدت القوات الاتحادية
الجديدة نفسها أمام اختبار حقيقي؛ هو استعادة الحكومة الشرعية في الشارقة، فبعد
محاولة انقلابية أدت إلى مصرع الحاكم الشيخ خالد بن محمد القاسمي كُلِّف الجيش
الاتحادي بأمر من المجلس الأعلى ـ وفقاً
لأحكام الدستور ـ بالانضمام إلى القوات الموالية للحاكم الراحل في الشارقة، والتي
كانت تحت إمرة أخيه بهدف إحباط المؤامرة وإرغام المتمردين على الاستسلام، وفي الوقت
نفسه أعلن المجلس الأعلى أنه يعترف بالشيخ سلطان بن محمد القاسمي حاكماً شرعياً
للشارقة· وكانت تلك الخطوة الحكيمة تؤكد حرص الاتحاد على الحفاظ على الشرعية وضمان
الاستقرار· وقد أضحى الشيخ سلطان ـ في الأعوام اللاحقة ـ حصناً منيعاً للاتحاد
ومؤيداً مخلصاً ووفياً لمبدأ الوحدة الذي تبناه صاحب السمو الشيخ زايد·
الأزمة
·· ودور الجيش
ورغم أن المؤسسات الاتحادية قد أظهرت فاعليتها وقوتها فإن التوسع اللاحق للدولة
الاتحادية قد سبب بعض التوتر؛ إذ اعتبرت بعض الإمارات أن توسع السلطة الاتحادية
إنما ينتقص من سلطتها ويحد من حريتها في التصرف· وكان مقرراً أن يجري العمل
بالدستور المؤقت لعام 1971 لمدة خمسة أعوام قابلة للتجديد، وكذلك الحال بالنسبة إلى
فترة ولاية رئيس الدولة ونائب الرئيس، وإن لم تُفرض أي قيود على التجديد· ولكن قبل
فترة وجيزة من انتهاء الفترة الأولى لتولي صاحب السمو الشيخ زايد رئاسة الدولة في
كانون الأول/ديسمبر 1976 فاجأ الشيخ زايد شعبه في آب/أغسطس بإعلان رغبته في عدم
تولي رئاسة الدولة لفترة ثانية· ولم يذكر الشيخ زايد الأسباب التي جعلته راغباً في
التنحي عن رئاسة الدولة التي قامت على أساس مبادئه، ولكن في الدوائر السياسية في
الدولة حيث نوقشت مثل هذه القضايا على نطاق واسع لم تكن هناك أي شكوك بشأن أسباب
استقالته· لقد رأى صاحب السمو الشيخ زايد أن بعض إخوانه حكام الإمارات لم يشاركوه
التزامه الثابت بالاتحاد والوحدة، وأنه لا يرغب في أن يكون رئيساً رمزياً لاتحاد
مشلول· ولم ترد أي إشارة إلى أن أبوظبي ستنسحبُ بأي شكل من الأشكال من الاتحاد، وما
كان مطروحاً في هذا الشأن هو أن الشيخ زايد سيصبح مرةً أخرى عضواً في المجلس
الأعلى، تماماً مثل إخوانه أعضاء المجلس، على أن يُنتخب رئيسٌ جديد للدولة·
كانت أسباب هذه الأزمة معقدة ومتداخلة، ولكن محورها كان دور القوات المسلحة
الاتحادية في الدولة الجديدة، لذا فإن الأمر كان يتعلق بجوهر مشروع الوحدة؛ وقد رأى
الشيخ زايد أن قوات الدفاع يجب أن تمثل وحدة الدولة التي تدافع عنها· وكان انقلاب
الشارقة رسالةً واضحةً في
مرحلة مبكرة من تاريخ الاتحاد بأن الدولة التي لا تستطيع أن تدافع عن نفسها في وجه
التهديدات الداخلية والخارجية لا يمكن أن يكتب لها البقاء، وهكذا فقد اكتسبت الدولة
الناشئة مصداقية بالغة عندما اتخذت خطوةً حاسمةً وفوريةً لمواجهة أحد المخاطر
الداخلية· وفي حين بدا أن بناء قوة عسكرية متطورة للدولة الجديدة عمل يعزز الوحدة،
فإن عدم رغبة بعض الإمارات في دمج قواتها تحت راية مؤسسة عسكرية اتحادية واحدة كان
اختباراً لجوهر هذا الاتحاد· وفي هذا السياق تداخل البعدان الداخلي والخارجي لسياسة
الشيخ زايد، فيما أظهر تعامله مع هذه المشكلة حرصه وغيرته الشديدة على مستقبل
الاتحاد·
كان
للقوات المسلحة في فكر الشيخ زايد دور مزدوج؛ فمن ناحية كانت لها مهمة تقليدية
واضحة هي الدفاع عن الدولة في وجه أي اعتداء خارجي· ومن ناحية أخرى كانت القوات
المسلحة رمزاً للتطور في مسيرة الاتحاد، فمنذ منتصف الستينيات كان الشيخ زايد يرى
أن القوات المسلحة يمكن أن تقدم نموذجاً للتنمية المتقدمة في الدولة الناشئة· وكان
المنطق العسكري يفرض الوحدة في القيادة والمعدات، وكان الشيخ زايد يرى أن غياب
الوحدة في القوات المسلحة انعكس سلبياً على مشروع الوحدة برمته؛ ومن أجل هذا المبدأ
كان مستعداً للتنحي عن منصب رئيس الدولة·
وما
إن وصلت أخبار قراره بالتنحي عن رئاسة الدولة إلى شعب دولة الإمارات العربية
المتحدة حتى عبَّر الشعب والصحافة عن تأييد غامر لصاحب السمو الشيخ زايد، وكان
واضحاً أن الشعب يريده أن يبقى في منصبه· ولم تكن هذه المشاعر الجياشة عملاً مخططاً
له، بل مثلت مشاعر صادقةً وعفوية من الشعب تجاه قائده، كما بينت بوضوح لأولئك
الحكام الذين كانوا يفضلون اتحاداً فضفاضاً على اتحاد أكثر ترابطاً أن المشاعر
الشعبية كانت مع صاحب السمو الشيخ زايد·وفي النهاية تم التوصل إلى تسوية في المجلس
الأعلى بشأن توحيد قوات الأمن والدفاع مع إضافة بند إلى الدستور المؤقت يمنح الدولة
الاتحادية وحدها دون غيرها حق إنشاء القوات المسلحة·
وكان
هذا الإجماع مقروناً بالتزام الحكام أعضاء المجلس الأعلى علناً بقضية الاتحاد وراء
عدول الشيخ زايد عن استقالته المقترحة، وقبوله رئاسة دولة الإمارات العربية المتحدة
لفترة رئاسية ثانية·
وفي
عام 1979 أثيرت مرة أخرى قضايا مماثلة متعلقة بمستقبل الاتحاد، وقد برز هذه المرة
أيضاً وبجلاء إجماع الشعب على دعم الوحدة· وكان الجدل قد أثير مرة أخرى حول توزيع
الاختصاصات بين السلطات المحلية والاتحادية، وقد انتهى الجدل حول هذه القضايا
بتعيين حاكم دبي صاحب السمو الشيخ راشد بن سعيد رئيساً للوزراء عام1979 وكان حاكم
دبي رجلاً حصيفاً حكيماً، كما كان حاكماً بارعاً جمعته بالشيخ زايد علاقة عمل وثيقة
منذ الخمسينيات، ولكنه فضل حتى تلك اللحظة خطاً سياسياً أقل ارتباطاً بالاتحاد مما
أرادته الأغلبية العظمى من المواطنين، وكانت وجهة نظره هذه تلقى بعض القبول لدى
حكام الإمارات الشمالية المعنيين بالتغير الذي يطرأ من وجهة نظرهم على توازن توزيع
السلطات بين الإمارات المختلفة والحكومة الاتحادية·
ولم
تكن حالة عدم التوازن هذه لتتفق مع مفهوم صاحب السمو الشيخ زايد للوحدة، فمنذ
اللحظة الأولى نظر الشيخ زايد إلى الدولة الناشئة باعتبارها شراكة بين كل إمارة
والحكومة الاتحادية· وفي ربيع عام 1979 أصدر مجلس الوزراء والمجلس الوطني الاتحادي
بياناً عاماً ركز تحديداً على الحاجة إلى إدارة أمور الاتحاد بشكل أفضل، وجعل
مؤسساته أكثر تجاوباً مع متطلبات الواقع، وقد رافق ذلك مظاهرات عامة واسعة النطاق
تطالب بالوحدة الكاملة بين الإمارات· وفي حين اتضحت الحاجة إلى معالجة بعض أوجه
الخلل الإداري بين الحكومة الاتحادية وكل إمارة، فإن صاحب السمو الشيخ زايد والحكام
الآخرين لم يكونوا يرغبون في التخلي عن البنية المزدوجة التي كانت أساسيةً لدستور
دولة الإمارات العربية المتحدة· وجاءت اللحظة الحاسمة مع قبول الشيخ راشد تولي منصب
رئيس الوزراء وتشكيل حكومة جديدة في تموز/ يوليو 1979.
وكـان مؤلماً أن يصـاب الشيـخ راشد بالمرض بعد فترة وجيزة من توليه منصب رئاسة
الوزراء فلا يعود قادراً خلال الثمانينيات على أن يتابع دوره النشط كما أراد· ولكنه
كان قد ساهم بقوة في ترسيخ مبدأ أن الدولة المتطورة يجب أن يكون لديها بنية إدارية
منظمة· ومازال النظام الذي تأسس بعد عام 1979 قائماً حتى يومنا هذا بتفاصيله
الأساسية كافة· وبرحيل صاحب السمو الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم عام 1990 فقدت دولة
الإمارات العربية المتحدة أحد صانعي اتحادها· وجدير بالذكر أن صاحب السمو الشيخ
راشد وصاحب السمو الشيخ زايد كانا يؤمنان إيماناً قوياً بأهمية السلام والوئام
والعمل الجاد لبناء إمارتيهما، وبعد عام 1971 آمنا بأهمية التعاون في بناء دولة
الإمارات العربية المتحدة· وتظل سياستهما في تسوية أي قضية بينهما بالحوار وتجنب
المواجهة مثالاً يُحتذى لإخوانهما حكام الإمارات وللشعب على حد سواء· وقد كان من
حسن طالع دولة الإمارات العربية المتحدة أنها حظيت في مرحلة تكوينها بزعيم فذ مثل
صاحب السمو الشيخ زايد رئيساً لها، وبقائد بارع في إدارة الشؤون الداخلية وتنظيمها
مثل صاحب السمو الشيخ راشد·
ومع
تولي الشيخ راشد رئاسة الوزراء وترسيخ مبدأ وحدة القوات المسلحة وتعزيزه، انتهج
صاحب السمو الشيخ زايد سياسة عملية واقعية لإتمام هذا المبدأ؛ فمن الناحية الواقعية
أتيح للقوات المسلحة أن تعمل كهيئة واحدة في ظروف الطوارئ، وكان مرور الوقت يعني
تلاشي مشكلة اختلاف التسليح أو التنظيم، فالهيكل التنظيمي لتوحيد القوات المسلحة
سيبقى جاهزاً للتطبيق، بينما يتاح للإمارات إمكانية الإبقاء على وحداتها الخاصة تحت
إمرتها إذا رغبت في ذلك، ومع مرور الوقت تلاشت القضية التي كانت سبباً للخلاف
والانقسام· وطوال تلك المرحلة لم يتراجع الشيخ زايد قط عن سياسته الثابتة بشأن
تحقيق وحدة القوات المسلحة، لكنه كان مستعداً لأن يترك الأمور تتطور لتأخذ مجراها
الطبيعي، دون أن يسعى إلى فرض تغيير جذري ليصل في نهاية المطاف إلى تحقيق رؤيته·
من
ناحية أخرى مثلت الأزمتان السياسيتان في عامي 1976 و1979 علامتين فارقتين في الجدل
الوطني حول الوحدة· وإذا كان الشيخ زايد قد اضطر في عام 1976 إلى اتخاذ قرار التنحي
عن الرئاسة حفاظاً على برنامج الوحدة، فإنه عندما انتهت فترة رئاسته الثانية عام
1981 لم يضطر إلى الشيء نفسه· وقد قبل فترة ولاية جديدة لمدة خمسة أعوام دون أي
اعتراض، كما تم تجديد الدستور المؤقت دون أي خلاف، وهو ما كان قد أثار جدلاً واسعاً
عام 1976 .
|