|
إن
الحصيلة النهائية التي جناها الشيخ زايد من صبره وتفانيه وسعة أفقه وإيمانه بأهمية
التوصل إلى حلول وسطى هي إنشاء دولة لا مثيل لها في العالم العربي المعاصر .
يمثل كتاب (بقوة الاتحاد ـ صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان ـ رحمه الله ـ
القائد والدولة) نقلة نوعية في تناول أدوار الزعماء والقادة الذين صنعوا أحداث
التاريخ لجهة التأكيد على الخصوصية بمختلف أبعادها ( التاريخية والدينية والثقافية
والمجتمعية إضافة إلى القبلية) ضمن رؤية علمية غير غارقة في التبجيل ولا التعظيم
،ولكنها في الوقت ذاته معترفة ومشاركة ومقدرة عبر عمل بحثي علمي موثق لأفعال ومواقف
المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان ''رحمه الله''، خصوصا عمله الوحدوي
المتعلق بقيام دولة الإمارات وبمشاركة واعية من إخوانه حكام الإمارات.
لقد بدأ هذا الكتاب فكرة ثم تحول إلى مشروع وهو بين أيدينا اليوم مرجع ـ لا غنى عنه
ـ للباحثين والمؤرخين والسياسيين والكتاب، بل لكل القراء والمحبين للقائد الراحل
الذي شكل علامة دالة ومميزة في تاريخنا المحلي والخليجي والعربي والإسلامي والعالمي
أيضا ، ومن هنا جاءت طبعته الإنجليزية حتى لا يظل الكتاب حكرا على القارئ العربي ،
لأن الشيخ زايد قائد عالمي، وهذا نجده موثقا وباعتراف واضح من زعماء العالم ومؤرخيه
، لذلك فهو لا يكتفي بالحديث عن الماضي والحاضر،إنما يتجه صوب المستقبل، وهذا
يدفعني إلى اعتباره ''كتاب الأجيال'' ·
من
ناحية أخرى فإن أهمية الكتاب جاءت واضحة في تقديم '' الفريق سمو الشيخ محمد بن زايد
آل نهيان ولي عهد أبوظبي'' إذ أبدى سموه تحمسا لفكرة الكتاب حين عرضها عليه مركز
الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية، حيث كتب : ''تحمست للموضوع كثيرا ، ويعود
ذلك لعدة أسباب أولها: إن الرؤية التي طرحت علي كانت رؤية جديدة تتبنى منهجا علميا
موضوعيا وجادا في كتابة سيرة حياة الوالد القائد، مما سيميز هذا الكتاب عن غيره من
السير الذاتية الأكثر شيوعا، كما سيعتمد المعايير الأكاديمية الموضوعية والمنهجية
العلمية من أجل تقديم رصد موثوق لحياة الشيخ'' زايد'' وإنجازاته، ذلك القائد الذي
امتزج تاريخه بوطنه الذي يعود إليه الفضل بعد الله تعالى في انتقاله من مجرد فكرة
إلى حقيقة واقعة ننعم بها جميعا''··
كما
أضاف في التقديم نفسه : ''يمثل هذا الكتاب بحق مساهمة تأتي أهميتها من واقع تركيزها
على قضية الوحدة التي طالما شغلت المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد - رحمه
الله- كما يبين الكتاب التفكير السياسي عند الشيخ زايد ، وما يتصف به من حذق ووضوح
، وهو الأمر الذي يستشف من كلماته وحديثه ، وكذلك في كلمات معاصريه الذين عبروا عن
رأيهم فيه حينئذ لتبقى آراؤهم حبيسة الأرشيف سنوات عديدة'' ،وأحسب أن هذا الكتاب قد
تميز بالفعل عن الكتب السابقة عنه بالمعلومات الموثقة، وباتباع المنهج العلمي
والتحليل ، وبذلك ثبت صدق رؤية ''الفريق سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد
أبوظبي''
يقع الكتاب الذي بين أيدينا في ثلاثة أبواب حمل الأول عنوان '' التراث '' وفيه جاء
الحديث ـ ضمن ثلاثة فصول ـ عن القبيلة العربية و''عصر عاصف'' وممثل حاكم العين، في
حين حمل الباب الثاني عنوان ''التحول ''، واشتمل على ثلاثة فصول أيضا وهي حتمية
التغيير ومبايعة حاكم جديد وبناء أبوظبي جديدة ، أما الباب الثالث والأخير فقد حمل
عنوان ''الاتحاد''، واشتمل على أربعة فصول هي : مولد دولة ، وبناء الدولة، والدفاع
عن الدولة والمحافظة على منجزاتها ،و'' بقوة الاتحاد'' ،وللعلم فإن الكتاب من
إصدارات مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية، المعروف بدراساته وبحوثه
المتميزة ·
يأتي عرض'' بقوة الاتحاد في حلقات وفقا لطريقتها الخاصة في عرض الكتب ، معتمدة على
التركيز مع الإيجاز، وتقتضي الأمانة قبل بدء العرض توضيح ثلاث مسائل أساسية، أولها:
إن هذا العرض لن يكون بديلا بأي حال من الأحوال عن قراءة الكتاب كاملا، وثانيها:
تبعا للقضية الأولى فإن العرض تم بتصرف مراعيا في ذلك المساحة المتاحة ومتطلبات
قارئ الجريدة، ما يعني ضرورة العودة إلى الكتاب، يضاف إلى ذلك أنه لم يتم عرض
الوثائق والهوامش وهي من الأهمية بمكان ، وهذا بسبب خضوع العرض لمتطلبات النشر في
الجريدة ، وثالثها: إن ما يقدم في هـــذه الحلقات هو مجرد اختصار ـ مبرر ـ للأفكار
الكبرى التي يحتويها هذا الكتاب، وبما انه كتاب أجيال ـ كما ذكرت في البداية ـ فمن
الضروري تداوله ووجوده في كل المكتبات العامة والخاصة، بعد أن تبين لنا ـ وسيدرك
القارىء الكريم بالعودة إليه ـ أنه يكشف عن كــثير من القضايا والمواقف الخاصة
بالقائد الراحل·
والكتاب يجيب عن كثير من التساؤلات المطروحة على مختلف الصعد التاريخية والسياسية
والقبلية والحضارية، وفي ذلك فليسع كل منا إلى الحكمة عله يحصل عليها، ومن فعل ذلك
فقد أوتي خيرا كثيرا، خير للأجيال الراهنة والمستقبلية، وفي ذلك تأكيد وتفعيل
واستمرارية وتذكير بأفعال المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد (رحمه الله).
في
الثاني من كانون الأول/ ديسمبر 1971 رفع للمرة الأولى علم الدولة الجديدة، دولة
الإمارات العربية المتحدة في قصر الجميرة في دبي، وجاءت ألوانه ـ الأحمر والأخضر
والأبيض والأسود ـ لتعبر عن ارتباط تقليدي بالإمارات التي شكلت الاتحاد الوليد،
وحتى اللحظة الأخيرة كان هناك أمل بأن تنضم إمارة رأس الخيمة لتشكيل اتحاد من سبع
إمارات، إلا أن الدولة التي أعلن عن قيامها في 2 كانون الأول/ ديسمبر 1971 كانت
تتكون من ست إمارات فقط وعلى الرغم من أن غياب رأس الخيمة كان أمراً يؤسف له، فإنه
لم يبدل الإرادة الجماعية القوية والهدف الذي تسعى إليه الإمارات التي وحَّدت
مصيرها، فقد اختارت أن تقف معاً من أجل الحفاظ على كيانها وتحقيق الفائدة المشتركة.
يتمثل الجانب المميز للإنجاز الذي حققه صاحب السمو الشيخ زايد في إنشاء الدولة
الجديدة بمشاركة إخوانه الحكام الذين وقفوا إلى جانبه وهو يرفع العلم الجديد، في
المزج بين القيم الأخلاقية السامية والتفهم العميق للحاجة الجوهرية إلى تحقيق
الاستقرار والازدهار الاقتصادي إن عملية إنشاء الدولة ـ بكل تعقيداتها، والتي جاءت
بعد ثلاث سنوات من التردد والطموحات السياسية المتقلبة ـ تم إنجازها في غضون أربعة
أشهر فقط فعلى الرغم من أن قرار الاتحاد قد اتخذ في 18 تموز/ يوليو 1971 فإن
الاستعدادات لإعلان مولد الدولة الجديدة لم تكتمل إلا في مطلع كانون الأول/ ديسمبر
من العام نفسه؛ أي فور انتهاء مسؤولية بريطانيا عما كان يعرف سابقاً بالإمارات
المتصالحة ولم تكن أجهزة الدولة الجديدة ومؤسساتها جميعها قد اكتملت في ذلك الوقت،
وعلى الرغم من ذلك فقد عقد المجلس الأعلى لدولة الإمارات العربية المتحدة اجتماعه
الأول في 2 كانون الأول/ ديسمبر 1971 فانتخب حكام الإمارات صاحب السمو الشيخ زايد
بن سلطان آل نهيان حاكم إمارة أبوظبي ليكون أول رئيس للدولة الجديدة، كما انتخبوا
حاكم إمارة دبي صاحب السمو الشيــخ راشـد بن سعيـد آل مكتوم أول نائــب لرئيس
الدولــة، وجـاء هذا الانتخاب ـ الذي كان متوقعاً على نطاق واسع ـ ليشكل بلا ريب
أوضح مثال على عمق الروابط بين أبوظبي ودبي، والتي كانت بمنزلة حجر الزاوية في صرح
الاتحاد منذ البداية وقد جعلت المادة (94) من الدستور التوافق بين أبوظبي ودبي
أمراً أساسياً لتحقيق أي تطور رئيسي في الدولة الجديدة لقد بدأ صاحب السمو الشيخ
زايد وصاحب السمو الشيخ راشد المسيرة الشاقة نحو تحقيق الاتحاد معاً، وكانت ضرورة
إقامة الاتحاد هي الحقيقة الأساسية الواضحة التي وضعاها نصب أعينهما، ولو لم تستمر
أبوظبي ودبي في العمل معاً لما حققت عملية الوحدة ما كانت تصبو إليه·
بنـاء
الدولـة
في
صبيحة يوم أغر من أيام كانون الأول/ ديسمبر 1971 ارتفع علم أمام مقر منظمة الأمم
المتحدة في نيويورك؛ إنه علم دولة ناشئة انضمت حديثاً إلى المنظمة الدولية هي دولة
الإمارات العربية المتحدة، وارتبطت مجموعة الألوان التي شكلت العلم، وهي الأحمر
والأخضر والأبيض والأسود، بأعلام جميع الإمارات التي تكونت منها الدولة الوليدة، من
غير أن ترمز إلى إمارة معينة دون غيرها· وتم اختيار الشعار المميز للدولة الجديدة
بالقدر نفسه من الدقة، وهو الصقر رمز تراثها، بالإضافة إلى القوارب التي تعكس
الارتباط التقليدي لأبناء الإمارات بالبحر·
وبحلول الثاني من كانون الأول/ ديسمبر 1972 احتفلت دولة الإمارات العربية المتحدة
بعيدها الوطني الأول، فكانت الاحتفالات فرحة شعبية غامرة وتعبيراً عن شعور بالفخر
بما حققته الدولة الوليدة؛ فقد رفعت جميع مباني أبوظبي العلم الوطني، وتدفقت حشود
الأهالي يغمرها الحماس في شوارع المدينة لتشاهد للمرة الأولى عرضاً مهيباً لقوات
الدفاع، وحلقت الطائرات الحربية في سماء الاحتفال، وتلا العرض العسكري عرض آخر
للشباب الذين يمثلون كل إمارات الاتحاد· وعلى منصة العرض جلس لأول مرة صاحب السمو
رئيس الدولة ونائبه، وأصحاب السمو حكام الإمارات أعضاء المجلس الأعلى للاتحاد،
والوزراء وأعضاء المجلس الوطني الاتحادي، وعدد من كبار الزوار الذين حلوا ضيوفاً
على الدولة للمشاركة في الاحتفال، وعزفت الموسيقى السلام الوطني للمرة الأولى·
غطى
هذا التعبير الفياض عن الثقة بالوطن حقيقة المشكلات التي واجهت الاتحاد منذ
البداية؛ فمن جانب واجه الاتحاد مخاطر خارجية من جيران أقوياء لهم أطماع في أجزاء
من أراضيه أو يحتلون أجزاء منها بالفعـل، ومن جانب آخر كانت هناك تحديات داخلية
تمثلت في أن دولة الإمارات العربية المتحدة قد تكونت من إمارات متفاوتة في درجة
تطورها الاجتماعي والاقتصادي؛ ففي حين كانت أبوظبي ودبي الأكثر تطوراً، والشارقة
تملك تاريخاً عريقاً في مجالي التعليم والرعاية الصحية، فإن إمارات عجمان والفجيرة
ورأس الخيمة وأم القيوين كانت أقل تطوراً إلى حد بعيد، بسبب بعدها وقلة مواردها؛
ونتيجة لذلك فقد تركز جُلُّ نشاط الحكومة الاتحادية خلال العام الأول من إعلان قيام
الدولة على إنشاء بنية تحتية ملائمة في هذه الإمارات· وعلاوة على ذلك كانت الموارد
البشرية المؤهلة محدودة إلى أقصى درجة رغم ضخامة الموارد الاقتصادية الواعدة في
الدولة الجديدة،· وقد أضاف هذا الوضع أعباءً هائلة على رئيس الدولة وعلى القلة
المحدودة من المستشارين والمساعدين العاملين معه·
أبو
الأمة
كانت القوة الرئيسية للنظام السياسي الجديد تكمن في عوامل عدة من أهمها التأييد
المخلص والواسع الذي حظي به، حيث لم يكن ممكناً أن يشكل أي تهديد قادم من الخارج أو
نزعة انفصالية في الداخل بديلاً يعود بأي نفع يعادل ما حققه الاتحاد· وكان صاحب
السمو الشيخ زايد مقتنعاً تماماً بأن الشعب سيقف إلى جانبه، بعدما أدرك أن قائده
إنما يعمل على تأمين مستقبل الدولة الجديدة وتحقيق تطلعات أبنائها· وغالباً ما يوصف
القائد العظيم بأنه ''أبو الأمة''، وقد استحق صاحب السمو الشيخ زايد هذا اللقب عن
جدارة، حيث لم يكن ممكناً أن تنشأ الدولة الجديدة الموحدة وتخرج إلى حيز الوجود
لولا عزمه وجهده الدؤوب· كان حجم المهمة التي اضطلع بها الشيخ زايد هائلاً، فقد
عرفت المنطقة برفضها لهذا النمط من السلطة الحكومية المركزية، حيث تعمل كل إمارة
على حماية هويتها واستقلالها الذاتي بكل إصرار؛ ولهذا السبب بالذات كان التمهيد
لقيام الاتحاد صعباً للغاية· ومع ذلك فقد تمثل التحدي الحقيقي الذي واجهه الشيخ
زايد بعد قيام الاتحاد في تحويل الوحدة إلى تجربة ناجحة على الصعيد العملي·
وبمحاولته إشاعة روح الوحدة السياسية وتعزيزها كان صاحب السمو الشيخ زايد في الواقع
يسعى إلى تحقيق تجربة وحدوية في بيئة مثقلة تاريخياً بكل ما من شأنه وأد هذه
التجربة، فضلاً عن عدم توافر سوابق مماثلة يمكن أن يقتدى بها· وهكذا لم يكن مشروع
الوحدة مقيداً بحدود أو قيود معينة، بل كان مفهومه ممتداً إلى آفاق غير متناهية·
ويمكن أن نقيس النجاح الذي حققه من خلال درجة إحساس شعب الإمارات بالاعتزاز بدولته
الجديدة والانتماء إليها والالتزام بأداء واجبه تجاهها· لقد عهد صاحب السمو الشيخ
زايد بالمهمة إلى أبناء شعبه، فترك لهم بلورة مفهوم الهوية الوطنية بأنفسهم· بيد
أنه شمل هذا الجهد برعايته المستمرة عندما كان في المراحل الأولى، ففي مقابلة تلو
أخرى كان الشيخ زايد يركز على هذا الموضوع الرئيسي ويبرز جوانبه الأساسية إذ يقول:
''نحن بأنفسنا الذين رسمنا خطة الاتحاد، لا عن خبرة بل عن إيمان بأمتنا، إيمان
بالوطن وإيمان بضرورة الوحدة'' ويؤكد الشيخ زايد على القول: ''إن التجزئة ليست من
طبيعة شعبنا، ولا نقول ذلك انطلاقاً من عواطف، وإنما عن نظرة موضوعية للأمور'' لقد
غرس صاحب السمو الشيخ زايد هذه المبادئ في وعي أبناء الوطن، فآتت أكلها طيباً فيما
تلا ذلك من سنوات·
الوفاء
بالعهد
جاء
مفهوم الشيخ زايد للاتحاد تعبيراً عن وفائه بالعهد الذي أخذه على عاتقه، فقد كان
ملماً بأسباب الخلافات بين الأسر الحاكمة في المنطقة وتفاصيلها، وقد استوعب ذلك في
مرحلة مبكرة من عمره، ولكنه لم يسمح لذلك الماضي البغيض بأن يلقي بظلاله القاتمة
على علاقاته الحالية· لقد تمكن في مطلع شبابه وبكل الهدوء والثقة، وخصوصاً من خلال
المنتدى المحايد المتمثل في مجلس الإمارات المتصالحة، من اكتساب احترام الحكام
وأولياء العهود في المنطقة· وبحلول حقبة الستينيات صار الشيخ زايد معروفاً في جميع
الأوساط بأنه رجل شرف، يمثل القيم والتقاليد العربية الأصيلة، وفي الوقت ذاته منفتح
ومتفهم لكل التغيرات التي يتطلبها العالم المعاصر، وربما كانت مخاوف بعض إخوانه
الحكام من هيمنة أبوظبي قد استمرت إلى حين، ولكن صاحب السمو الشيخ زايد - في سلوك
إنساني نادر - ظل يتصرف بمنتهى الحلم والبعد عن الضغائن والترفع عن الأحقاد، حتى
تجاه أولئك الذين اختلفوا معه· ويستند أسلوبه في معالجة الأمور إلى الحجة والإقناع،
فقد قال ذات مرة: ''أنا لا أفرض الوحدة على أحد، هذا استبداد· كل منا له رأي مختلف
عن رأي الآخر، نحن نتبادل الآراء والأفكار ونصهرها في بوتقة واحدة ثم نستخلص
جوهرها، هذه هي ديمقراطيتنا، إنها ديمقراطية الوحدة''·
بناء
الدولة ·· والأمن القومي
وإذا تأملنا المسيرة السياسية لصاحب السمو الشيخ زايد لأمكننا أن نتتبع نمطاً
واضحاً نراه مراراً في العقود التي تلت عام 1971 ففي حين تلتحم العناصر المختلفة في
سياسته، فإن هنالك مسارين رئيسيين لازَما مسيرته؛ ويمكن أن نسمي المسار الأول
''بناء الدولة'' وهو إنجاز عملية التحول إلى الشرعية على المستوى الداخلي· واقتضت
هذه العملية التعامل مع كيان دولة الإمارات العربية المتحدة باعتباره الامتداد
الطبيعي لتاريخ المنطقة، وفي الوقت نفسه قبول الخصائص الفردية التي تتميز بها كل
إمارة على حدة· أما المسار الثاني فيمكن أن نسميه ''الأمن القومي'' ويشمل البعد
الخارجي للسياسة الدفاعية والعلاقات الدولية، ويمكن أن نفسر أياً من التطورات
السياسية التي جرت منذ عام 1971 على أساس أولوية أحد المسارين في وقته على الآخر·
ويتضح لنا من كل أقوال صاحب السمو الشيخ زايد ومن تماسك سياساته واتساقها أنه كان
يريد بناء دولة تتمسك بالبعد الأخلاقي الراسخ في علاقاتها الخارجية، لكنه كان يدرك
أنه حتى الدول الضاربة جذورها في القيم الأخلاقية تحتاج إلى بذل الجهد من أجل
البقاء في خضم عالم السياسة الدولية الشديدة التعقيد، ومن ثم فقد عمل على صياغة
سياسات تضمن الحفاظ على كيان الدولة وتأمين استمراريتها وتوطيد أركانها، مع التمسك
بالمبادئ والقيم المثلى في الوقت نفسه·
بناء
القوات المسلحة
كان
بناء القوات المسلحة الاتحادية أول خطوة عملية وفعالة في مسيرة دولة الإمارات
العربية المتحدة؛ إذ شملت عملية نقل الحكومة البريطانية للسلطة في 22 كانون الأول/
ديسمبر 1971 توقيع صاحب السمو الشيخ زايد اتفاقية تنتقل بموجبها قيادة قوة كشافة
ساحل عُمان إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، ومثَّل ذلك أساساً لتشكيل قوات
الدفاع الاتحادية · وبعد أسبوع من هذا التاريخ سلمت الحكومة البريطانية رسمياً
قيادة قوة كشافة ساحل عُمان إلى وزير الدفاع بدولة الإمارات العربية المتحدة الفريق
أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم الذي كان قد تسلم منصبه حديثاً·
وبُعَيد قيام الدولة وتحديداً في كانون الثاني/ يناير 1972 وجدت القوات الاتحادية
الجديدة نفسها أمام اختبار حقيقي؛ هو استعادة الحكومة الشرعية في الشارقة، فبعد
محاولة انقلابية أدت إلى مصرع الحاكم الشيخ خالد بن محمد القاسمي كُلِّف الجيش
الاتحادي بأمر من المجلس الأعلى - وفقاً لأحكام الدستور - بالانضمام إلى القوات
الموالية للحاكم الراحل في الشارقة، والتي كانت تحت إمرة أخيه بهدف إحباط المؤامرة
وإرغام المتمردين على الاستسلام، وفي الوقت نفسه أعلن المجلس الأعلى أنه يعترف
بالشيخ سلطان بن محمد القاسمي حاكماً شرعياً للشارقة· وكانت تلك الخطوة الحكيمة
تؤكد حرص الاتحاد على الحفاظ على الشرعية وضمان الاستقرار· وقد أضحى الشيخ سلطان -
في الأعوام اللاحقة - حصناً منيعاً للاتحاد ومؤيداً مخلصاً ووفياً لمبدأ الوحدة
الذي تبناه صاحب السمو الشيخ زايد·
التنحي
وحب الشعب
ورغم أن المؤسسات الاتحادية قد أظهرت فاعليتها وقوتها فإن التوسع اللاحق للدولة
الاتحادية قد سبب بعض التوتر؛ إذ اعتبرت بعض الإمارات أن توسع السلطة الاتحادية
إنما ينتقص من سلطتها ويحد من حريتها في التصرف· وكان مقرراً أن يجري العمل
بالدستور المؤقت لعام 1971 لمدة خمسة أعوام قابلة للتجديد، وكذلك الحال بالنسبة إلى
فترة ولاية رئيس الدولة ونائب الرئيس، وإن لم تُفرض أي قيود على التجديد· ولكن قبل
فترة وجيزة من انتهاء الفترة الأولى لتولي صاحب السمو الشيخ زايد رئاسة الدولة في
كانون الأول/ديسمبر 1976 فاجأ الشيخ زايد شعبه في آب/ أغسطس بإعلان رغبته في عدم
تولي رئاسة الدولة لفترة ثانية· ولم يذكر الشيخ زايد الأسباب التي جعلته راغباً في
التنحي عن رئاسة الدولة التي قامت على أساس مبادئه، ولكن في الدوائر السياسية في
الدولة حيث نوقشت مثل هذه القضايا على نطاق واسع لم تكن هناك أي شكوك بشأن أسباب
استقالته· لقد رأى صاحب السمو الشيخ زايد أن بعض إخوانه حكام الإمارات لم يشاركوه
التزامه الثابت بالاتحاد والوحدة، وأنه لا يرغب في أن يكون رئيساً رمزياً لاتحاد
مشلول· ولم ترد أي إشارة إلى أن أبوظبي ستنسحبُ بأي شكل من الأشكال من الاتحاد، وما
كان مطروحاً في هذا الشأن هو أن الشيخ زايد سيصبح مرةً أخرى عضواً في المجلس
الأعلى، تماماً مثل إخوانه أعضاء المجلس، على أن يُنتخب رئيسٌ جديد للدولة·
كانت أسباب هذه الأزمة معقدة ومتداخلة، ولكن محورها كان دور القوات المسلحة
الاتحادية في الدولة الجديدة، لذا فإن الأمر كان يتعلق بجوهر مشروع الوحدة؛ وقد رأى
الشيخ زايد أن قوات الدفاع يجب أن تمثل وحدة الدولة التي تدافع عنها· وكان انقلاب
الشارقة رسالةً واضحةً في مرحلة مبكرة من تاريخ الاتحاد بأن الدولة التي لا تستطيع
أن تدافع عن نفسها في وجه التهديدات الداخلية والخارجية لا يمكن أن يكتب لها
البقاء، وهكذا فقد اكتسبت الدولة الناشئة مصداقية بالغة عندما اتخذت خطوةً حاسمةً
وفوريةً لمواجهة أحد المخاطر الداخلية· وفي حين بدا أن بناء قوة عسكرية متطورة
للدولة الجديدة عمل يعزز الوحدة، فإن عدم رغبة بعض الإمارات في دمج قواتها تحت راية
مؤسسة عسكرية اتحادية واحدة كان اختباراً لجوهر هذا الاتحاد· وفي هذا السياق تداخل
البعدان الداخلي والخارجي لسياسة الشيخ زايد، فيما أظهر تعامله مع هذه المشكلة حرصه
وغيرته الشديدة على مستقبل الاتحاد·
كان
للقوات المسلحة في فكر الشيخ زايد دور مزدوج؛ فمن ناحية كانت لها مهمة تقليدية
واضحة هي الدفاع عن الدولة في وجه أي اعتداء خارجي· ومن ناحية أخرى كانت القوات
المسلحة رمزاً للتطور في مسيرة الاتحاد، فمنذ منتصف الستينيات كان الشيخ زايد يرى
أن القوات المسلحة يمكن أن تقدم نموذجاً للتنمية المتقدمة في الدولة الناشئة· وكان
المنطق العسكري يفرض الوحدة في القيادة والمعدات، وكان الشيخ زايد يرى أن غياب
الوحدة في القوات المسلحة انعكس سلبياً على مشروع الوحدة برمته؛ ومن أجل هذا المبدأ
كان مستعداً للتنحي عن منصب رئيس الدولة·وما إن وصلت أخبار قراره بالتنحي عن رئاسة
الدولة إلى شعب دولة الإمارات العربية المتحدة حتى عبَّر الشعب والصحافة عن تأييد
غامر لصاحب السمو الشيخ زايد، وكان واضحاً أن الشعب يريده أن يبقى في منصبه· ولم
تكن هذه المشاعر الجياشة عملاً مخططاً له، بل مثلت مشاعر صادقةً وعفوية من الشعب
تجاه قائده، كما بينت بوضوح لأولئك الحكام الذين كانوا يفضلون اتحاداً فضفاضاً على
اتحاد أكثر ترابطاً أن المشاعر الشعبية كانت مع صاحب السمو الشيخ زايد·وفي النهاية
تم التوصل إلى تسوية في المجلس الأعلى بشأن توحيد قوات الأمن والدفاع مع إضافة بند
إلى الدستور المؤقت يمنح الدولة الاتحادية وحدها دون غيرها حق إنشاء القوات
المسلحة· وكان هذا الإجماع مقروناً بالتزام الحكام أعضاء المجلس الأعلى علناً بقضية
الاتحاد وراء عدول الشيخ زايد عن استقالته المقترحة، وقبوله رئاسة دولة الإمارات
العربية المتحدة لفترة رئاسية ثانية·وفي عام 1979 أثيرت مرة أخرى قضايا مماثلة
متعلقة بمستقبل الاتحاد، وقد برز هذه المرة أيضاً وبجلاء إجماع الشعب على دعم
الوحدة· وكان الجدل قد أثير مرة أخرى حول توزيع الاختصاصات بين السلطات المحلية
والاتحادية، وقد انتهى الجدل حول هذه القضايا بتعيين حاكم دبي صاحب السمو الشيخ
راشد بن سعيد رئيساً للوزراء عام 1979 وكان حاكم دبي رجلاً حصيفاً حكيماً، كما كان
حاكماً بارعاً جمعته بالشيخ زايد علاقة عمل وثيقة منذ الخمسينيات، ولكنه فضل حتى
تلك اللحظة خطاً سياسياً أقل ارتباطاً بالاتحاد مما أرادته الأغلبية العظمى من
المواطنين، وكانت وجهة نظره هذه تلقى بعض القبول لدى حكام الإمارات الشمالية
المعنيين بالتغير الذي يطرأ من وجهة نظرهم على توازن توزيع السلطات بين الإمارات
المختلفة والحكومة الاتحادية·
أزمتان
والمخرج
ولم
تكن حالة عدم التوازن هذه لتتفق مع مفهوم صاحب السمو الشيخ زايد للوحدة، فمنذ
اللحظة الأولى نظر الشيخ زايد إلى الدولة الناشئة باعتبارها شراكة بين كل إمارة
والحكومة الاتحادية· وفي ربيع عام 1979 أصدر مجلس الوزراء والمجلس الوطني الاتحادي
بياناً عاماً ركز تحديداً على الحاجة إلى إدارة أمور الاتحاد بشكل أفضل، وجعل
مؤسساته أكثر تجاوباً مع متطلبات الواقع، وقد رافق ذلك مظاهرات عامة واسعة النطاق
تطالب بالوحدة الكاملة بين الإمارات· وفي حين اتضحت الحاجة إلى معالجة بعض أوجه
الخلل الإداري بين الحكومة الاتحادية وكل إمارة، فإن صاحب السمو الشيخ زايد والحكام
الآخرين لم يكونوا يرغبون في التخلي عن البنية المزدوجة التي كانت أساسيةً لدستور
دولة الإمارات العربية المتحدة· وجاءت اللحظة الحاسمة مع قبول الشيخ راشد تولي منصب
رئيس الوزراء وتشكيل حكومة جديدة في تموز/يوليو 1979 وكـان مؤلماً أن يصـاب الشيـخ
راشد بالمرض بعد فترة وجيزة من توليه منصب رئاسة الوزراء فلا يعود قادراً خلال
الثمانينيات على أن يتابع دوره النشط كما أراد· ولكنه كان قد ساهم بقوة في ترسيخ
مبدأ أن الدولة المتطورة يجب أن يكون لديها بنية إدارية منظمة· ومازال النظام الذي
تأسس بعد عام 1979 قائماً حتى يومنا هذا بتفاصيله الأساسية كافة· وبرحيل صاحب السمو
الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم عام 1990 فقدت دولة الإمارات العربية المتحدة أحد
صانعي اتحادها· وجدير بالذكر أن صاحب السمو الشيخ راشد وصاحب السمو الشيخ زايد كانا
يؤمنان إيماناً قوياً بأهمية السلام والوئام والعمل الجاد لبناء إمارتيهما، وبعد
عام 1971 آمنا بأهمية التعاون في بناء دولة الإمارات العربية المتحدة· وتظل
سياستهما في تسوية أي قضية بينهما بالحوار وتجنب المواجهة مثالاً يُحتذى لإخوانهما
حكام الإمارات وللشعب على حد سواء· وقد كان من حسن طالع دولة الإمارات العربية
المتحدة أنها حظيت في مرحلة تكوينها بزعيم فذ مثل صاحب السمو الشيخ زايد رئيساً
لها، وبقائد بارع في إدارة الشؤون الداخلية وتنظيمها مثل صاحب السمو الشيخ راشد·
ومع تولي الشيخ راشد رئاسة الوزراء وترسيخ مبدأ وحدة القوات المسلحة وتعزيزه، انتهج
صاحب السمو الشيخ زايد سياسة عملية واقعية لإتمام هذا المبدأ؛ فمن الناحية الواقعية
أتيح للقوات المسلحة أن تعمل كهيئة واحدة في ظروف الطوارئ، وكان مرور الوقت يعني
تلاشي مشكلة اختلاف التسليح أو التنظيم، فالهيكل التنظيمي لتوحيد القوات المسلحة
سيبقى جاهزاً للتطبيق، بينما يتاح للإمارات إمكانية الإبقاء على وحداتها الخاصة تحت
إمرتها إذا رغبت في ذلك، ومع مرور الوقت تلاشت القضية التي كانت سبباً للخلاف
والانقسام· وطوال تلك المرحلة لم يتراجع الشيخ زايد قط عن سياسته الثابتة بشأن
تحقيق وحدة القوات المسلحة، لكنه كان مستعداً لأن يترك الأمور تتطور لتأخذ مجراها
الطبيعي، دون أن يسعى إلى فرض تغيير جذري ليصل في نهاية المطاف إلى تحقيق رؤيته·
من
ناحية أخرى مثلت الأزمتان السياسيتان في عامي 1976 و1979 علامتين فارقتين في الجدل
الوطني حول الوحدة· وإذا كان الشيخ زايد قد اضطر في عام 1976 إلى اتخاذ قرار التنحي
عن الرئاسة حفاظاً على برنامج الوحدة، فإنه عندما انتهت فترة رئاسته الثانية عام
1981 لم يضطر إلى الشيء نفسه· وقد قبل فترة ولاية جديدة لمدة خمسة أعوام دون أي
اعتراض، كما تم تجديد الدستور المؤقت دون أي خلاف، وهو ما كان قد أثار جدلاً واسعاً
عام 1976 .
|