سمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان / بقوة الاتحاد ـ القائد والدولة / زايد والسلام العالمي

نظر الشيخ زايد منذ البداية إلى القوات المسلحة باعتبارها أداة من أدوات السياسة العامة لا الحرب

يمثل كتاب (بقوة الاتحاد ـ صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان ـ رحمه الله ـ القائد والدولة) نقلة نوعية في تناول أدوار الزعماء والقادة الذين صنعوا أحداث التاريخ لجهة التأكيد على الخصوصية بمختلف أبعادها ( التاريخية والدينية والثقافية والمجتمعية إضافة إلى القبلية) ضمن رؤية علمية غير غارقة في التبجيل ولا التعظيم ،ولكنها في الوقت ذاته معترفة ومشاركة ومقدرة عبر عمل بحثي علمي موثق لأفعال ومواقف المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان ''رحمه الله''، خصوصا عمله الوحدوي المتعلق بقيام دولة الإمارات وبمشاركة واعية من إخوانه حكام الإمارات.

لقد بدأ هذا الكتاب فكرة ثم تحول إلى مشروع وهو بين أيدينا اليوم مرجع ـ لا غنى عنه ـ للباحثين والمؤرخين والسياسيين والكتاب، بل لكل القراء والمحبين للقائد الراحل الذي شكل علامة دالة ومميزة في تاريخنا المحلي والخليجي والعربي والإسلامي والعالمي أيضا ، ومن هنا جاءت طبعته الإنجليزية حتى لا يظل الكتاب حكرا على القارئ العربي ، لأن الشيخ زايد قائد عالمي، وهذا نجده موثقا وباعتراف واضح من زعماء العالم ومؤرخيه ، لذلك فهو لا يكتفي بالحديث عن الماضي والحاضر،إنما يتجه صوب المستقبل، وهذا يدفعني إلى اعتباره ''كتاب الأجيال'' ·

من ناحية أخرى فإن أهمية الكتاب جاءت واضحة في تقديم '' الفريق سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي'' إذ أبدى سموه تحمسا لفكرة الكتاب حين عرضها عليه مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية، حيث كتب : ''تحمست للموضوع كثيرا ، ويعود ذلك لعدة أسباب أولها: إن الرؤية التي طرحت علي كانت رؤية جديدة تتبنى منهجا علميا موضوعيا وجادا في كتابة سيرة حياة الوالد القائد، مما سيميز هذا الكتاب عن غيره من السير الذاتية الأكثر شيوعا، كما سيعتمد المعايير الأكاديمية الموضوعية والمنهجية العلمية من أجل تقديم رصد موثوق لحياة الشيخ'' زايد'' وإنجازاته، ذلك القائد الذي امتزج تاريخه بوطنه الذي يعود إليه الفضل بعد الله تعالى في انتقاله من مجرد فكرة إلى حقيقة واقعة ننعم بها جميعا''··

كما أضاف في التقديم نفسه : ''يمثل هذا الكتاب بحق مساهمة تأتي أهميتها من واقع تركيزها على قضية الوحدة التي طالما شغلت المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد - رحمه الله- كما يبين الكتاب التفكير السياسي عند الشيخ زايد ، وما يتصف به من حذق ووضوح ، وهو الأمر الذي يستشف من كلماته وحديثه ، وكذلك في كلمات معاصريه الذين عبروا عن رأيهم فيه حينئذ لتبقى آراؤهم حبيسة الأرشيف سنوات عديدة'' ،وأحسب أن هذا الكتاب قد تميز بالفعل عن الكتب السابقة عنه بالمعلومات الموثقة، وباتباع المنهج العلمي والتحليل ، وبذلك ثبت صدق رؤية ''الفريق سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي''
يقع الكتاب الذي بين أيدينا في ثلاثة أبواب حمل الأول عنوان '' التراث '' وفيه جاء الحديث ـ ضمن ثلاثة فصول ـ عن القبيلة العربية و''عصر عاصف'' وممثل حاكم العين، في حين حمل الباب الثاني عنوان ''التحول ''، واشتمل على ثلاثة فصول أيضا وهي حتمية التغيير ومبايعة حاكم جديد وبناء أبوظبي جديدة ، أما الباب الثالث والأخير فقد حمل عنوان ''الاتحاد''، واشتمل على أربعة فصول هي : مولد دولة ، وبناء الدولة، والدفاع عن الدولة والمحافظة على منجزاتها ،و'' بقوة الاتحاد'' ،وللعلم فإن الكتاب من إصدارات مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية، المعروف بدراساته وبحوثه المتميزة ·

يأتي عرض'' بقوة الاتحاد في حلقات وفقا لطريقتها الخاصة في عرض الكتب ، معتمدة على التركيز مع الإيجاز، وتقتضي الأمانة قبل بدء العرض توضيح ثلاث مسائل أساسية، أولها: إن هذا العرض لن يكون بديلا بأي حال من الأحوال عن قراءة الكتاب كاملا، وثانيها: تبعا للقضية الأولى فإن العرض تم بتصرف مراعيا في ذلك المساحة المتاحة ومتطلبات قارئ الجريدة، ما يعني ضرورة العودة إلى الكتاب، يضاف إلى ذلك أنه لم يتم عرض الوثائق والهوامش وهي من الأهمية بمكان ، وهذا بسبب خضوع العرض لمتطلبات النشر في الجريدة ، وثالثها: إن ما يقدم في هذه الحلقات هو مجرد اختصار ـ مبرر ـ للأفكار الكبرى التي يحتويها هذا الكتاب، وبما انه كتاب أجيال ـ كما ذكرت في البداية ـ فمن الضروري تداوله ووجوده في كل المكتبات العامة والخاصة، بعد أن تبين لنا ـ وسيدرك القارىء الكريم بالعودة إليه ـ أنه يكشف عن كــثير من القضايا والمواقف الخاصة بالقائد الراحل·

والكتاب يجيب عن كثير من التساؤلات المطروحة على مختلف الصعد التاريخية والسياسية والقبلية والحضارية، وفي ذلك فليسع كل منا إلى الحكمة عله يحصل عليها، ومن فعل ذلك فقد أوتي خيرا كثيرا، خير للأجيال الراهنة والمستقبلية، وفي ذلك تأكيد وتفعيل واستمرارية وتذكير بأفعال المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد (رحمه الله).

كان لزاماً على دولة الإمارات العربية المتحدة أن تعمل على حماية ثروتها من الموارد الطبيعية القيمة منذ اللحظة الأولى لقيامها، خاصة أنها تمتلك احتياطيات هائلة من النفط، وكانت التهديدات المحدقة بالدولة خارجية أكثر منها داخلية، وقد شكلت الخطر المباشر على الدولة الوليدة· لقد واجهت دولة الإمارات العربية المتحدة بعد فترة وجيزة من استقلالها تحديات من دول مجاورة أكبر منها مساحة وأكثر سكاناً، وكذلك من تداعيات الصراع بين قوى عالمية كبرى بعيدة عنها مثل الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفييتي·

وحاولت هذه القوى ـ الإقليمية والعالمية على السواء ـ فرض نفوذها على المنطقة وعلى هذه الدولة الناشئة· وضاعفت هذه التحديات من المشكلات التي تعوق تماسك الجبهة الداخلية وزادت من المهام المرتبطة ببناء الدولة وترسيخ دعائم الاتحاد، ولم تكن دولة الإمارات العربية المتحدة مؤهلةً للدفاع عن نفسها يوم إعلان قيامها عام 1971 ويعود الفضل في حماية الدولة الوليدة من الأخطار المحدقة بها إلى رؤية المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد الإستراتيجية وبراعته التي مكَّنته فيما بعد من إحباط مناورات أعدائه المحتملين·

محاور ثلاثة

عرف الشيخ زايد'' رحمه الله'' أن التحديات التي تواجه الدفاع عن أبوظبي، ثم عن دولة الإمارات العربية المتحدة فيما بعد، تحديات معقدة، وفي مواجهة هذه التحديات تبنى الشيخ زايد رؤية سياسية ذات ثلاثة محاور؛ أولها أن الأمن القومي يعتمد على قيام دولة موحدة، فقد تعلم المغفور له الشيخ زايد من خبرة التاريخ أن القلاع المنيعة التي سقطت نتيجة الاختراق من الداخل تفوق في عددها تلك التي تم الاستيلاء عليها باقتحامها بالقوة من الخارج؛ لذا كان جوهري على المستوى الداخلي أن يترسخ دعم أبناء الشعب للدولة الجديدة وأن يضمن الشيخ زايد التزام إخوانه الحكام بوحدة الكلمة· أما المحور الثاني فهو سعي الشيخ زايد'' رحمه الله'' إلى أن يوضح بجلاء أن أي محاولة للاعتداء على دولة الإمارات العربية المتحدة ومواردها ستكلف المعتدي خسائر فادحة· وتطلب ذلك أن يكون للدولة الوليدة قوات مسلحة وطنية ذات كفاءة عالية، ومزودة بأحدث الأسلحة والمعدات، وكان البريطانيون قد سعوا على الدوام إلى الحد من امتلاك الحكام المحليين لمعدات عسكرية متطورة· وكان المحور الثالث هو رغبة الشيخ زايد''رحمه الله'' في أن يرسخ مكانة الدولة ويعزز مصداقيتها في الساحة الدولية بحيث تحتل دولة الإمارات العربية المتحدة المكانة التي تليق بها في المجتمع الدولي وأن تنظر إليها بقية دول العالم بوصفها قوة للخير وسنداً للعدالة والحق، ومن ثم تضمن الحماية والتأييد من خلال منظومتي القانون الدولي والأمم المتحدة· ولم يكن من الممكن تطبيق أي من هذه المحاور بمعزل عن المحورين الآخرين·

في 2 كانون الأول/ ديسمبر 1971 بدأت عملية ترسيخ الوحدة والهوية الوطنية تتقدم بخطى ثابتة ومتواصلة· وفي البداية لم تكن هناك قواعد محددة لبناء الهوية الوطنية، علاوةً على أنه لم يكن متاحاً حينئذ إلا قلة محدودة من النماذج والتجارب المشابهة· وأدرك ''رحمه الله'' الشيخ زايد أن أبناء الإمارات المختلفة لن يدينوا بالولاء للدولة الأم دون أسباب مقنعة، من أجل ذلك كان لا بد من أن يلموا بالقضايا المطروحة وبخطط المستقبل الذي سيشاركون في صنعه· ومن خلال تركيز جهوده على توفير بنية تحتية متطورة تشمل الخدمات الصحية والمرافق التعليمية وشبكة مواصلات واتصالات متكاملة استطاع الشيخ زايد أن يجعل منافع الاتحاد والخدمات الأساسية التي وفرتها الدولة واضحةً وجليةً أمام أبناء شعبه، فقد ساهمت المعرفة في خلق إحساس بالانتماء الوطني والتفاؤل بالمستقبل، وفي الوقت نفسه كانت أخبار الحكومة الاتحادية ودورها في تعزيز التنمية الوطنية تجد طريقها إلى المواطنين عبر وسائل الإعلام، الأمر الذي خلق انطباعاً إيجابياً عن إنجازاتها وما تقوم به لصالح الوطن والمواطن·

القوات المسلحة·· البناء والأهداف

يرجع نظام الدفاع الوطني المحلي تاريخياً إلى قوة دفاع أبوظبي التي تأسست عام 1965 لتتوافق مع رغبة الشيخ شخبوط في تشكيل قوة عسكرية تدين بالولاء لأبوظبي، بدلاً من الاعتماد على قوات كشافة ساحل عُمان التي كانت تحت السيطرة البريطانية· وقد تقبلت الحكومة البريطانية في نهاية المطاف فكرة تشكيل مثل هذه القوة؛ لأن تشكيلها يعني ضمناً تقليص النفقات الدفاعية البريطانية على قوات كشافة ساحل عُمان، حيث ستتولى حكومة أبوظبي الإنفاق على قوة دفاع أبوظبي، وشارك الشيخ زايد إلى حد بعيد في عملية تأسيس قوة دفاع أبوظبي منذ بدايتها وكان في الغالب يوظف منهجه العملي لتعديل خطط أخيه في هذا الخصوص·

وقد لاحظ إيه·تي·لام في أيلول/ سبتمبر 1965 اهتمام الشيخ زايد اللافت للنظر بمسألة الدفاع قبل أن يصبح حاكماً لأبوظبي، فكتب يقول:''زايد حريص على أن يكون عنده جيش، ليس للدفاع عن أبوظبي فحسب، بل باعتباره مؤسسة على مستوى عال من التنظيم والإدارة يمكنها أن تساهم في تحقيق الرخاء لإمارة أبوظبي، ويرى في الجيش قوة رادعة ضد الأعداء المحتملين (يقول الشيخ زايد: سيظن الجميع أننا نملك ثلاثة أضعاف ما نملكه فعلياً) فضلاً عن كونه جزءاً لا يتجزأ من عملية التنظيم الإداري للإمارة الذي كتبتُ عنه بصورة منفصلة إلى المقيم السياسي''·

ولم يكن الشيخ زايد''رحمه الله'' ينظر إلى القوة العسكرية باعتبارها وسيلةً للحماية الشخصية أو لتأجيج الصراعات، بل كان مفهومه عن الدور العسكري في التنمية الوطنية يرتكز منذ البداية على الاعتبارات السياسية والإستراتيجية، وكان يرى في القوات المسلحة مصدراً للمهارات والتقدم التقني في دولة قليلة الموارد البشرية، وكذلك أداة من أدوات السياسة الخارجية للدولة·

وعندما أصبح الشيخ زايد''رحمه الله'' حاكماً لأبوظبي بادر إلى اتخاذ خطوات فورية لتعزيز القوة الدفاعية في الإمارة، دون أن يتخلى عن أولوياته في الإنفاق على التنمية الاجتماعية، إذ بدأ في تشرين الثاني/ نوفمبر 1966 بالتعاون مع مستشاره العسكري الكولونيل ويلسون، التخطيط لإنشاء قوة جوية لأبوظبي بشراء ثلاث طائرات وتوفير خدمات الدعم الفني والإداري الخاصة بها· وفيما يتعلق بقوة دفاع أبوظبي كانت الخطة الأوليـة التي وضعت في عهد الشيخ شخبوط تهدف إلى إنشاء قوة صغيرة قوامها 250 فرداً يزدادون إلى 500 فرد لاحقاً· أما في عهد الشيخ زايد فقد نمت قوة دفاع أبوظبي نمواً كبيراً وسريعاً في العدد والعدة، فخلال الفترة 1966 ـ 1971 ارتفع العدد الإجمالي لمنتسبي قوة دفاع أبوظبي إلى نحو 10 آلاف فرد، واستطاع الشيخ زايد أن يقيم علاقة تنسيق وطيدة مع قوات كشافة ساحل عُمان·

الدولة ·· والجيش

وبعد قيام دولة الإمارات العربية المتحدة في عام 1971 أيقن الشيخ زايد أنه لابد من توحيد قيادات القوات المسلحة التابعة للإمارات المختلفة واندماج تشكيلاتها جميعاً تحت قيادة موحدة وتوحيد معداتها· وكان يعتقد، وهو على حق في ذلك، أن القوات المسلحة يجب أن تكون رمزاً للوحدة الوطنية وألا تظهر خلافاتها، فكانت الخطوة الأولى إعادة هيكلة قوة ساحل عُمان فيما عرف باسم قوة دفاع الاتحاد ومقرها الشارقة· وسرعان ما حصلت هذه القوة على معدات متقدمة وربطتها علاقة عمل وثيقة بقوة دفاع أبوظبي، غير أنه كان هناك ما لا يقل عن خمس وحدات دفاعية أخرى في المنطقة، بما في ذلك الوحدات الخاصة بدبي والشارقة ورأس الخيمة، بالإضافة إلى الوحدتين المشار إليهما في الكتاب·

التساؤل المشروع

كان هناك تساؤل جوهري قائماً بشأن ما إذا كانت قوات الدفاع ''المحلية'' موجودة في الأساس لخدمة مصالح الدولة أم مصلحة الإمارة· ولم يكن الدستور واضحاً بشأن هذا الموضوع، مما أدى إلى تعارض وجهات نظر الإمارات المختلفة· ورغم أن الشيخ زايد كان مشغولاً في المقام الأول بالقضايا العملية المتعلقة بالكفاءة القتالية للجيش وفاعليته العسكرية، فإنه لم يرد أن تكون التشكيلات العسكرية المحلية رمزاً للانفصالية· وبعيداً عن الضرورة العسكرية التي تجعل التوحيد إجراءً حتمياً، فإن احتفاظ بعض الإمارات بقوات محلية يحمل دلالات ومعاني رمزية تجعل من الموضوع اختباراً لمبدأ الوحدة ذاته، وقد أضحى احتفاظ كل إمارة بقواتها المسلحة رمزاً لهويتها الفردية·

ونتيجة لذلك ظلت القوات المسلحة لدولة الإمارات العربية المتحدة مثار الخلاف الرئيسي حول تطوير بنية الدولة، وبذلت محاولات عديدة لتسوية القضية· وفي أواخر عام 1976 وبداية عام 1977 صدرت التوجيهات لتحويل تشكيلات القوات المسلحة التابعة لمناطق الدولة المختلفة إلى تنظيم موحد جديد تحت قيادة عليا مشتركة، وفي 31 كانون الثاني/ يناير 1978 أصدر المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد مرسوماً بشأن استكمال توحيد القوات المسلحة، ونص المرسوم على توحيد الجيش ودمج قواته في بنية واحدة، وإلغاء قيادات المناطق في الإمارات المختلفة، وتحويل القوات المتمركزة فيها إلى ألوية تتبع قيادة مشتركة·

إن التطورات التي شهدتها القوات المسلحة تعكس بوضوح التحولات المختلفة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي شهدتها دولة الإمارات العربية المتحدة على امتداد ثلاثة عقود،وهي تقدم مقياساً دقيقاً وصادقاً للتغيرات والتطورات التي شهدتها الدولة، والتي تكون عادة غير واضحة المعالم في زخم الأحداث الداخلية والخارجية المتداخلة· وقد نظر الشيخ زايد ''رحمه الله منذ البداية إلى القوات المسلحة باعتبارها أداة من أدوات السياسة العامة لا الحرب، وأن أهم ما يترتب عليها هو تحقيق المنفعة الاجتماعية في سياق الوحدة· وفي هذا السياق فقد كتب السفير الأميركي فيليب جي· جريفن في برقية إلى واشنطن في حزيران/يونيو 1972 قائلاً: ''في المحاولة الانقلابية في الشارقة اتحدت قوة دفاع الاتحاد وقوة دفاع أبوظبي المتفوقة عليها للمحافظة على الأوضاع الداخلية والاستقرار في دولة الإمارات العربية المتحدة، وهذا مؤشر مشجع في عملية بناء الدولة.

وفي الوقت المناسب أدرك ''رحمه الله'' الشيخ زايد أيضاً أن هناك دوراً جديداً للقوات المسلحة، وهو الدور الذي تجلى وفرض نفسه في التسعينيات، إذ كانت المشاركة بقوات في عمليات حفظ السلام وسيلة قيمة يمكن لدولة الإمارات العربية المتحدة من خلالها أن تساهم في تعزيز الأمن الدولي· وقد شاركت قوات دولة الإمارات العربية المتحدة في عدد متزايد من عمليات حفظ السلام والإغاثة الإنسانية في أمكنة مختلفة من العالم، كما أن من المرجح أن يشكل ذلك دوراً مهماً وملائماً لدولة الإمارات العربية المتحدة في الأعوام المقبلة، وقد حدد الشيخ زايد''رحمه الله'' دور قوات الدولة التي تشارك في مهام خارجية بأنه حفظ السلام· وكما أن الشيخ زايد ''رحمه الله ''قد أصر دائماً على أن القوات المسلحة مسؤولة عن الذود عن حياض الوطن وصدّ أي اعتداء عليه، فقد أكد بالقدر نفسه أن هذه القوات لن تستخدم في شن أي اعتداء، فقال في هذا السياق:''لقد عمدنا لبناء جيش قوي ذي كفاءة قتالية عالية، لا عن رغبة في غزو أحد أو قتال أحد، وإنما ليحمي الأرض ويصون العرض ويذود عن حياض الوطن الذي حقق لأبنائه العزة واطمأن المواطنون فيه على عيشهم في أمن واستقرار· إننا دولة تسعى إلى السلام وتحترم حق الجوار وترعى الصديق، ولكن حاجتنا إلى الجيش القوي تبقى قائمةً ومستمرةً، ونحن نبني الجيش لا رغبة في غزو أو قتال وإنما للدفاع عن أنفسنا''·

الملك فيصل ··والخلاف الأكبر

عندما أصبح الشيخ زايد ''رحمه الله'' حاكماً لأبوظبي في عام 1966 كان على دراية واضحة بالقوى التي تشكل السياسة الدولية، وكان مدركاً حقيقة أن أبوظبي تقع إلى جوار دولتين تفوقانها مساحةً وقوةً، هما إيران والمملكة العربية السعودية، وأنه لا بديل عن إقامة علاقة سلمية تكون قاعدةً قوية لسياسة بعيدة المدى· أما المملكة العربية السعودية فقد مرت علاقاتها التاريخية مع أبوظبي بمراحل من التوتر والخلاف المرير الذي يعود إلى أكثر من ثلاثين عاماً، وكان الشيخ زايد ''رحمه الله'' عازماً على إنهاء هذا الخلاف الخطير، ومدركاً أن ميراث عدم الثقة لا يمكن أن يمحى في لحظة، وأنه لابد من بناء الثقة المتبادلة بين الطرفين· ولقد ظل الملك فيصل طرفاً في الخلاف أكثر من ثلاثة عقود، إذ كان وزير خارجية السعودية في عهد أبيه سنوات عديدة، واتسم بأنه أكثر تصميماً وتشدداً في موقفه من الملك عبد العزيز نفسه· ورغم انشغاله عن هذه القضية بعض الشيء لاعتبارات وظروف سياسية أخرى مع مرور الزمن، فإنه لم يكن ليتزعزع عن عزمه على رؤية نهاية تحقق مصالح المملكة العربية السعودية بشكل أساسي· لكن الشيخ زايد''رحمه الله'' كان يرى أنه لو قدر للمباحثات أن تخرج من ''اليد الجامدة'' للدبلوماسية البريطانية، لأمكن بناء علاقة عمل مباشرة وفعالة بين الطرفين·

وفي نيسان/إبريل 1967 قام الشيخ زايد بزيارة الملك فيصل في جدة فأعجب الملك فيصل بأسلوب حديث الشيخ زايد''رحمه الله'' لما اتصف به من لباقة واحترام، إذ خاطبه الشيخ زايد على اعتباره في مقام ''والده''· كما أشار الملك إلى المشكلات الحدودية القائمة على اعتبار أنها أمر بين إخوة عرب· غير أن حالة العداء التي امتدت أعواماً طويلةً لم تكن لتنتهي بجرة قلم كما يقال، ووصل الاجتماع إلى طريق مسدود، وأحس الشيخ زايد''رحمه الله'' أن الدبلوماسية البريطانية التي كانت تسعى وراء تحقيق مصالحها فقط كانت مُعوِّقةً لا معينةً في الاجتماع المذكور، لذا فقد عقد العزم على أن يتبع أسلوبه الخاص في المفاوضات، متخلصاً من الأسلوب الحذر للدبلوماسية البريطانية، والذي ثبت عدم جدواه لفترة طويلة· وكانت المصالح الحيوية للإمارة واضحة ومحددة لدى الشيخ زايد، فقد طالبت السعودية حينئذ بالمنطقة المحيطة بالعين، وكانت هذه الواحة أساسية لمستقبل الإمارة ومن المتعذر التنازل عنها، أما الأمور الأخرى فيمكن التفاوض بشأنها.

النفط ·· وخدمة قضايا العرب

من العوامل الرئيسية التي ساهمت في بناء علاقة الوئام بين دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية ذلك الدور الريادي الذي قام به''رحمه الله'' الشيخ زايد في المقاطعة النفطية العربية خلال حرب تشرين الأول/ أكتوبر عام 1973 ففي 17 تشرين الأول/ أكتوبر 1973 تم الاتفاق على تنفيذ تخفيض على مراحل بنسبة 5% شهرياً من صادرات النفط إلى الولايات المتحدة الأميركية، على الرغم من أن الشيخ زايد''رحمه الله'' كان يرغب في فرض نسبة أكبر بكثير· وكان الشيخ زايد أول رئيس دولة عربية ينفذ الإنذار الذي وجهته الدول العربية المنتجة للنفط إلى الرئيس الأميركي نيكسون بإيقاف إرسال الأسلحة إلى إسرائيل أو يواجه حظراً على صادرات النفط إلى الولايات المتحدة الأميركية· وكانت هذه السرعة والقوة في رد فعل الشيخ زايد ''رحمه الله''على قيام واشنطن بإعادة تسليح إسرائيل قد شكلت مفاجأة لصانعي السياسة الأميركية، كما أدى تصرف الشيخ زايد''رحمه الله'' الملتزم بالمبادئ إلى تشجيع الدول العربية الأخرى المنتجة للنفط في المنطقة على أن تحذو حذوه· وفي اليوم التالي أصدر الشيخ زايد ''رحمه الله'' قراراً بالإيقاف الكامل لجميع صادرات النفط من دولة الإمارات العربية المتحدة إلى الولايات المتحدة الأميركية، وتعادل هذه النسبة نحو 15 ـ 20% من واردات النفط إلى الولايات المتحدة الأمريكية من منطقة الخليج العربي· وقد تم اتخاذ هذا القرار في وقت تشهد فيه أبوظبي التي تعتبر المصدر الرئيسي للنفط في دولة الإمارات العربية المتحدة عجزاً في حسابها الجاري، وعلى الرغم من ذلك رأى الشيخ زايد أن من الضروري أخلاقياً بالنسبة إلى العرب أن يتصرفوا بتصميم وعزيمة لا تلين في هذا الموضوع، وكان يدرك أن التخفيض بنسبة 5% سيتم تفسيره في الغرب على أساس أنه مجرد عمل سياسي رمزي من جانب العرب لحفظ ماء الوجه، بينما يشير الاستخدام الشامل لسلاح النفط إلى مدى تصميمهم وجدية نيَّاتهم·

وقفت بقية الدول العربية المنتجة للنفط على الفور خلف مبادرة دولة الإمارات العربية المتحدة· وأدركت الدول الغربية بصفة عامة والولايات المتحدة الأميركية على وجه الخصوص أنها ستدفع ثمن الدعم غير المشروع لإسرائيل· وقد أدت الزيادة التي حدثت في أسعار النفط بعد حرب تشرين الأول/ أكتوبر 1973 إلى ارتفاع ملحوظ في النفوذ الدولي للدول العربية المنتجة للنفط· وكان ''رحمه الله'' الشيخ زايد دوره القيادي فيما حدث، فقد كان حسه الاستراتيجي صائباً في الوقت الذي لم يتمكن فيه بعض القادة العرب الآخرين من تفهم القضايا الأساسية التي تواجه الأمة العربية حينها· وكان يرى أن العرب جميعاً طرف في هذا الصراع وليس ''دول المواجهة'' فقط· لقد كان النفط سلاحاً مثل أي سلاح آخر، ولكن الدول الغربية كانت تعتقد أن العرب لن يلجؤوا مطلقاً إلى استخدام هذا الرادع الأخير· وبلجوئه استراتيجياً إلى استخدام هذا ''السلاح'' في 18 تشرين الأول/ أكتوبر 1973 أحدث الشيخ زايد''رحمه الله'' تحولاً في المشهد السياسي العالمي، فقد كانت تلك هي المرة الأولى التي تتجلى فيها القوة التي يملكها العرب،وبهذه الإجراءات العملية برهن الشيخ زايد''رحمه الله'' على التزامه بخدمة قضية الإخاء العربي مهما كانت التكلفة من الناحية المادية· وترك هذا الالتزام بالقضايا المشتركة تأثيره البالغ في الملك فيصل·

أدى تأييد القضية العربية المشتركة إلى تخفيف التوتر في العلاقات بين المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، وقد ظهرت على الفور ثمار هذا الإحساس بالتضامن الذي أرساه الزعيمان في ذلك الوقت، وساعد مناخ الثقة المتبادلة على تهيئة الخلفية السياسية التي مهدت للتسوية الحدودية التي وقعت في آب/ أغسطس 1974 بين دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية· وبعد حرب تشرين الأول/ أكتوبر 1973 ذاع صيت الشيخ زايد''رحمه الله'' باعتباره وسيطاً للمصالحة وتحقيق الوفاق في أنحاء العالم العربي، ففي آب/ أغسطس 1974 نجحت وساطته في التوصل إلى حل الخلاف بين مصر وليبيا· وبعد وقت قصير، ونظراً للنجاح الذي أصابه في هذه الوساطة، قام المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بزيارة الملك فيصل في مدينة جدة، وشهد هناك نجاح الجهد الدؤوب الذي بذله على امتداد سنوات لبناء الثقة وتحقيق المصالحة مع المملكة العربية السعودية، وتوصل إلى اتفاق أنهى حالة التوتر بين الدولتين· وعلى الرغم من وجود بعض التفاصيل التي كانت بحاجة إلى الاتفاق بشأنها وتشكيل لجنة فنية مشتركة لهذا الغرض، كان جوهر الاتفاق الذي تم التوصل إليه هو أن المستقبل يكمن في بناء روح الصداقة والتعاون بين الدولتين·

زايد ·· والعلاقة بإيران

طبق المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد أسلوباً مشابهاً في معالجته للعلاقة المضطربة مع إيران، ففي وقت متزامن مع قيام دولة الإمارات العربية المتحدة وعلى أثر الانسحاب البريطاني من منطقة الخليج العربي كانت إيران قد احتلت جزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى بعد أن استولت عليهما بالقوة من إمارة رأس الخيمة، بالإضافة إلى تأكيد مطالبتها بجزيرة أبوموسى التابعة لإمارة الشارقة في تشرين الثاني/ نوفمبر 1971 · ومنذ الثاني من كانون الأول/ ديسمبر 1971 تولى المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بصفته رئيساً لدولة الإمارات العربية المتحدة مسؤولية موضوع الجزر المذكورة بعد أن أصبحت إمارتا رأس الخيمة والشارقة جزءاً من الدولة الاتحادية· ووفقاً لوجهة نظره تعد الإجراءات الإيرانية غير مقبولة لأن السيادة التاريخية على هذه الجزر ظلت عربية على الدوام· وحتى مذكرة التفاهم المتعلقة بجزيرة أبوموسى تعتبر اتفاقاً موقعاً تحت الإكراه، وبهذا لا يمكن النظر إليها باعتبارها قد حسمت أي مسألة متعلقة بالسيادة على الجزر·

وانطلاقاً من اقتناعه الراسخ وإدراكه للشعور الوطني القوي الرافض للاحتلال الإيراني لجزء من أراضي دولة الإمارات العربية المتحدة، اختار صاحب السمو الشيخ زايد مساراً عقلانياً أكد به حقوق دولة الإمارات العربية المتحدة في السيادة على جزرها المحتلة، ولكنه نأى في الوقت نفسه عن أي إجراء قد ينظر إليه باعتباره تبريراً لاستخدام القوة، فبينما واصل المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد الاعتراض على الاعتداء الإيراني وتمكن من طرح قضية إعادة الجزر إلى سيادة دولة الإمارات العربية المتحدة على المستوى الدولي، فإنه أكد أيضاً التزام دولته بالعلاقات الودية بين الدولتين المتجاورتين، وأبدى استعداده لتسوية أي نزاعات بأسلوب عادل ومنفتح· وفي حديث صحفي له عام 1981 قال الشيخ زايد: ''إن وسيلتنا إلى ذلك هي تقديم الأدلة والمستندات القانونية، ومن خلال الحوار المشترك والتفاهم المتبادل بحيث ينال كل ذي حق حقه ويعود الحق العربي إلى أهله· موقفنا من الجزر الثلاث واضح وبسيط، هذه الجزر جزء من دولة الإمارات العربية المتحدة وملك لها''·

أميركا والخليج ··والعمودان المتساندان

في السنوات التي أعقبت حرب تشرين الأول/ أكتوبر 1973 زاد اهتمام المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بالدور الأميركي المتنامي والوجود العسكري الأجنبي في المنطقة، والذي يعزى جزئياً إلى الأحداث التي واكبت الثورة الإيرانية والحرب بين إيران والعراق· وكانت الولايات المتحدة الأميركية تحت حكم الرئيس نيكسون قد انتهجت سياسة عرفت بسياسة العمودين المتساندين ''لحماية'' مصالحها في منطقة الخليج العربي، وذلك عن طريق تقديم العون العسكري إلى إيران والمملكة العربية السعودية معاً للحيلولة دون أي توغل سوفييتي في حقول النفط· ولكن الولايات المتحدة الأميركية فقدت أحد عموديها بسقوط الشاه، فتبقت لها المملكة العربية السعودية فقط· وبعد الغزو السوفييتي لأفغانستان عام 1979 والتورط السوفييتي في إثيوبيا، أصبحت الحكومة الأميركية أكثر انشغالاً باحتمال تزايد التهديد السوفييتي لمصالحها الاقتصادية والإستراتيجية في المنطقة· وأبلغ الرئيس كارتر الكونجرس في خطاب ''حال الاتحاد'' الذي ألقاه بعد نحو شهر فقط من الغزو السوفييتي لأفغانستان أن ''أي محاولة من قبل أي قوة خارجية لكسب السيطرة على··· منطقة الخليج ستعتبر اعتداءً على المصالح الحيوية للولايات المتحدة الأمريكية، وسيتم صد مثل هذا الاعتداء بكل الوسائل اللازمة، بما فيها القوة العسكرية''· ولكي تملأ الولايات المتحدة الأمريكية الفراغ فإنها زادت قواتها البحرية في المحيط الهندي ومياه الخليج العربي، وقامت بتشكيل قوات تدخل سريع تتيح لها إمكانية التدخل بصورة مباشرة وعاجلة في منطقة الخليج العربي باستخدام المعدات المخزنة مسبقاً في دولها·

من القضايا التي شغلت الشيخ زايد كثيراً قضية تأثير صراع القوى العظمى في المنطقة· وكان توجهه بشأن العلاقة مع القوتين العظميين هو اتباع سياسة متوازنة بالحفاظ على العلاقات الودية مع الطرفين، دون أن يتورط في الانحياز لأي منهما والدوران في فلكه، ومع ذلك فقد كان يرى أن التهديد سيأتي من الولايات المتحدة الأمريكية أكثر مما سيأتي من الاتحاد السوفيتي، هذا على الرغم من أنه قد أدان بشدة الغزو السوفيتي لأفغانستان عام 1979 ولم يشك المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد في أن النشاط الأمريكي في المنطقة تحكمه المصالح الخاصة للولايات المتحدة، وكان متخوفاً من احتمال أن القوات الأمريكية لن تخرج من المنطقة بمجرد دخولها إليها· وحتى ذلك الوقت كانت إستراتيجية العمودين المتساندين قد عملت على إشراك القوى التقليدية المحلية والإسلامية الموجودة في المنطقة، بينما قوة الانتشار السريع هي تنظيم أمريكي بكامله· ولذا فبينما أدرك الشيخ زايد الحاجة إلى عنصر الدفاع فإنه كان يرى أن الضرورة تحتم على دول الخليج العربية أن تستعد للقيام بواجبها بدلاً من إنابة جهات أخرى للقيام به، وأن الخيار المناسب الوحيد هو أن تتولى دول المنطقة بنفسها مسؤولية أمنها· فقد قال المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد في آذار/ مارس 1976: ''إن كل من يملك الثروة يظل مطمع الطامعين··· ومن الصعب أن تعرف من أين يأتيك هذا الطامع، قد تشك في القادم من الشرق فيأتيك الخطر من الغرب أو العكس· لقد أصبح لدى أبناء الخليج وأهله الإمكانيات والثروة والإدراك، وأصبح باستطاعتهم ملء أي فراغ وتحمل مسؤولية وطنهم وأرضهم''·لقد طرح هذا الرأي بوضوح تام المبدأ القائل: ''إن أبناء الخليج هم حماة الخليج وعلى الرغم من هذه المخاوف الضاغطة، لم ينشأ مجلس التعاون لدول الخليج العربية لضرورة عسكرية بحتة، فقد سبقت الخطوات الأولى لتأسيسه تلك التغيرات السياسية التي وفرت الدافع إلى قيام ترتيبات دفاعية جديدة؛ وهي الثورة الإيرانية والغزو الروسي لأفغانستان والحرب العراقية ـ الإيرانية· لقد بدأت دول المنطقة في نهاية السبعينيات اتخاذ خطوات متباطئة نحو العمل المشترك؛ ففي كانون الأول/ ديسمبر 1978 عقد الشيخ سعد العبدالله السالم الصباح ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء في دولة الكويت لقاءات مع المسؤولين في دول الخليج العربية· وقد عبرت كل الحكومات عن إيمانها بوجود مجموعة من المصالح المشتركة، ولذلك فإنها رحبت بإنشاء تنظيم دائم لتحقيق تلك المصالح·

هناك عند سد مأرب

في سنوات لاحقة وسَّع المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد نطاق جهوده لحل النزاعات لتشمل الدوائر العربية والإسلامية والدولية، وذلك عن طريق التحول إلى قوة نشطة في المشروعات الإنسانية، وفضلاً عن دوره بوصفه وسيطاً سياسياً فقد بادر المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد إلى تقديم المساعدة في البقاع التي لا يجرؤ أحد على ارتيادها· وبحلول عام 1974 وصلت نسبة المساعدات الخارجية التي تقدمها أبوظبي إلى ما يساوي 28% من إجمالي دخلها القومي، وهو مستوى غير مسبوق· ويتضمن نهج المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد في مجال المشاركة في الجهود الدولية المبادئ الأساسية نفسها التي تحكم أعماله الأخرى جميعها، فقد كان مقتنعاً بالمردود الذي تحققه مساعداته على المدى البعيد لمن يتلقونها، على الرغم من أنه يستجيب على الفور وبكل سخاء من أجل رفع المحن وتخفيف آثار الكوارث الإنسانية·

ويعتبر مشروع إعادة بناء سد مأرب القديم في اليمن نموذجاً لنوع العمل الذي يرى فيه المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد عائداً كبيراً، ففي نيسان/ إبريل 1982 خصصت دولة الإمارات العربية المتحدة 3 ملايين دولار أمريكي بشكل عاجل لمساعدة المنكوبين الذين تضرروا من الفيضان في اليمن، بيد أن الشيخ زايد أدرك أن المساعدة على المدى القصير لا تحل المشكلة، لذا فقد تبرع شخصياً في وقت لاحق من شهر نيسان/ إبريل نفسه بالأموال اللازمة لإعادة بناء سد مأرب، وبذلك وضع حلاً نهائياً للمشكلة الأساسية· وفي عام 1984 قدمت دولة الإمارات العربية المتحدة أموالاً إضافية لمواصلة العمل في بناء السد، وفي 2 تشرين الأول/ أكتوبر من العام نفسه وضع المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد حجر الأساس لمشروع ينهي الدمار الذي تسببه الفيضانات ويجدد خصوبة آلاف الهكتارات من الأرض الصالحة للزراعة مستقبلاً، وبعد عامين قام الشيخ زايد بافتتاح سد مأرب الذي انتهى العمل فيه قبل التوقيت المقرر له، وهو السد الذي امتدت فوائده إلى جزء كبير من اليمن·

وهنا أشقاء من الكويت

تجسد عبارة ''أشقاء في أسرة واحدة'' جوهر الفكر السياسي للمغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد، فهو يؤمن بأن القيم الإسلامية الخاصة بالأسرة يجب أن تسود في كل أشكال العلاقات الأخرى، ولم يتوقف دعم الشيخ زايد لاستكمال سد مأرب حيث تم في 25 تشرين الثاني/ نوفمبر 2002 في العاصمة اليمنية صنعاء توقيع اتفاقية تنفيذ المرحلة الثانية من مشروع سد مأرب بتكلفة قدرها 87 مليوناً و820 ألف درهم على نفقة الشيخ زايد الخاصة؛ مما سيساهم في ري أكثر من 10 آلاف هكتار من المساحات مزروعة بالمحاصيل، وينتهي المشروع في نهاية عام 2004 ويستند القدر الأكبر من فكر الشيخ زايد إلى ''الأخوة الإنسانية''؛ وهي مفهوم يتسع ليشمل القيم التي لازمته طوال حياته، فقد درج المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد على التعامل النبيل والكريم مع أشقائه من العرب الذين تربطه بهم صلة الدم، وظل يتصرف دائماً حيال نظرائه الحكام في المنطقة باعتبارهم ''أشقاء عرباً''، كما عمل بدأب على إنشاء مجلس التعاون لدول الخليج العربية على أساس مبادئ الوحدة والإخاء العربي· وعندما خرج العديد من الكويتيين من بلادهم في أعقاب الغزو العراقي لها استقبلهم في دولة الإمارات العربية المتحدة في آب/ أغسطس 1990 وأمر بتوفير السكن لهم ومنحهم مساعدات مالية بالإضافة إلى إعفائهم من دفع أي رسوم للعلاج الطبي· وخلال تلك الأزمة لجأ 66 ألف كويتي إلى دولة الإمارات العربية المتحدة بحثاً عن الأمان الذي وفره لهم المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بحفاوة وسخاء· وهكذا فقد حرص الشيخ زايد باستمرار على تكريس مفهوم الإخاء الإنساني سواء من خلال تقديم العون المباشر أو تقديم القدوة والمثل الصالح للآخرين·

واستناداً إلى التحليلات التي احتواها هذا الكتاب يبدو أن الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان من القلة القليلة التي نجحت في الجمع بين المبادئ الأساسية والسياسة البراجماتية· ويتضح بجلاء أن الشيخ زايد ''يمتلك الفكرة العظيمة'' وهي أن التفرُّق هو اللعنة التي حلت بالشعوب العربية، وأنه سبب تراجعهم بعد الانتصارات التي حققوها في فجر تاريخهم؛ فالإمبراطورية العظيمة التي أقاموها وساد حكمها ذات يوم من قرطبة في الغرب إلى كابول في الشرق قد ضعفت بسبب خلافات وانقسامات لا نهاية لها· وكان الشيخ زايد قد رأى بأم عينه مخاطر التفرُّق بين أهله في منطقة الخليج العربي·

القائد ·· واختيار الوقت

كما تعلَّم المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد ''العديد من الدروس'' من التجارب التي خاضها في مطلع حياته، بقدر ما تعلم من مراقبة الآخرين والاستماع إليهم، ومن مطالعة الصحف والآثار الأدبية، ومن قراءته لسلوك العديد من الشخصيات التي التقاها· إن قدرته الفذة على استيعاب المعلومات، وذاكرته الحديدية، وإلمامه التام بالثقافة والتقاليد القبلية مهدت له تخطي حدود أنماط الفكر التقليدي الجامد؛ فقد أدرك أن أبوظبي لا تستطيع أن تبقى في عزلة بينما تتطور بقية دول العالم العربي وتتقدم إلى الأمام· واستوعب الشيخ زايد على الفور آليات سياسة القوة على الصعيد الدولي، وكثيراً ما كان يدهش محاوريه باستيعابه الشامل للقضايا المعقدة· وكانت نتيجة إلمامه ''بالدروس والخبرات المختلفة'' أنه لم يحاول مطلقاً أن يحشر الأحداث الواقعية قسراً في إطار نظري مسبق، بل قام بتكييف ذلك الإطار ليتوافق مع الأحداث التي تتكشف للعيان، ومع ذلك فقد حافظ على ثوابته التي لم تخضع للتعديل أو التحريف·

لقد وفر هذا المزج المتناغم بين المبادئ والسياسة البراجماتية القاعدة الأساسية التي انطلق منها الشيخ زايد في بناء صرح دولة الإمارات العربية المتحدة· ويعد الشيخ زايد من القلة القليلة من رجال الدولة المعاصرين الذين دخلوا التاريخ من أوسع أبوابه بعد أن وحَّد أقواماً متفرقين في دولة واحدة· إن جوهر مهارته السياسية هو تقديره الفطن لاختيار الوقت الملائم لقيادة الأمة على هدي المبادئ المثالية والوقت المناسب لتبني السياسة البراجماتية، وهذه المهارة المتفردة في تحقيق التفاعل بين المنهجين هي ما يميز الشيخ زايد عن معاصريه من الزعماء· ومن منظور تاريخي تضعه هذه المهارة ضمن الفئة القليلة من مؤسسي الدول ذوي الشخصيات الملهمة (الكاريزمية)·

لقد كشف هذا الكتاب أن المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد قد بنى دولة الاتحاد بالإقناع وليس بالإكراه، لكن هذا الموضوع يستحق أن نتوقف عنده مرة أخرى· إن الإقناع يتطلب وقتاً لا يملكه الساسة ورؤساء الدول الذين يكونون في عجلة من أمرهم في أغلب الحالات، ولذلك تكون القوة هي الوسيلة الأساسية التي يلجؤون إليها في نهاية المطاف لتحقيق غاياتهم· ولكن الشيخ زايد أثبت أنه رجل سياسة بحق عندما تجنب استخدام القوة، معتبراً الوقت والتجربة المحركين الحقيقيين لعملية التغيير، فقد اعتمد هذا المبدأ في بناء دولته، وهذا ما يضعه في مصاف العظماء من قادة الدول· وفي حين أسس العديد من القادة دولهم على الانتصارات المسلحة، أو الصراعات والثورات، أو القوة العسكرية، فإن المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد قد بنى دولة الإمارات العربية المتحدة لتصبح كياناً مدنياً، وذلك باستخدام الوسائل السلمية وانتهاج سياسة التسامح والصبر، مع احترام كرامة الإنسان· وبدلاً من رفض التنوع الذي تتسم به الأطراف التي شكلت الاتحاد سعياً وراء تحقيق شكل نظري وإطار مجرد من أشكال الوحدة لا أكثر، فإن الشيخ زايد قد أسس كياناً تعددياً ومنفتحاً وقائماً على القيم التقليدية·

كان في وسع المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بفضل قوة شخصيته، والاحترام الذي يحظى به في أرجاء العالم، والقوة الاقتصادية والاجتماعية التي بين يديه، أن يفرض الحلول السياسية التي يرتئيها، غير أنه آثر تولي المهمة الشاقة المتمثلة في إنشاء الدولة بالإجماع· وبهذا يكون الشيخ زايد قد اتبع الطريق الأصعب نحو بناء الدولة، لأنه آمن أنه بتحقيق هذا الهدف بهذه الطريقة يكون قد أدى واجبه تجاه شعبه· إن الدولة النموذجية التي أنشأها والتنمية القائمة على أساس سلمي والتي أضحت مثالاً يُحتذى، هما هديته التي لا تضاهيها هدية أخرى إلى شعب الإمارات العربية المتحدة·

الثقة بالشعب ·· والتطبيق

إن شعار ''الثقة بالشعب'' هو الشعار الذي يرفعه السياسيون في العادة، غير أنهم نادراً ما يلتزمون به· ولم يقف المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد عند حد تبني هذا المبدأ فحسب، بل طبَّقه ليحقق به إنجازات باهرة؛ وليس هناك من مثال يدلنا على حسه السياسي أوضح من هذا، فقد أدرك الشيخ زايد بفضل تجربته السابقة خلال إقامته في العين ولاحقاً في أبوظبي أن المشاعر الشعبية تؤيد طريق التقدم الذي يدعو إليه· وفي أغلب الأحيان لم يكن الشيخ زايد يلقى معارضةً لخططه من الشعب، ولكن من أصحاب مصالح خاصة· وظل المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد على الدوام زعيماً شعبياً بحق، وكان ينظر إلى خدمة أبناء شعبه على أنها الواجب الأهم للقائد السياسي· ونجح الشيخ زايد في إقناع أهل الإمارات المختلفة بأن الوحدة سوف تمنحهم القوة، أما التفرق فسوف يعرّضهم للوقوع تحت سيطرة القوى الخارجية· وقد استوعب مواطنو دولة الإمارات العربية المتحدة هذه المعادلة على نطاق واسع في الأعوام التي أعقبت عام1971.

 

كافة الحقوق محفوظة لشبكة الرحال الإماراتية