| |
|
|
|
شاعرية فذة، وشعر رقيق صاف
صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان شاعر فذ رسم بشعره صورة
جلية لوجدانه، فإذا بسموه يعكس ما يعتمل في نفسه من آفاق إنسانية
وجدائل حب صادقة تعبر عن الأصالة وعن نبض المعاني السامية من
خلال ملكة شعرية دافقة تُنبي عن مكنة تضاهي شعراء عصره.
فهو ينطلق باتجاه الهدف مباشرة، ولا يميل إلى الغموض أو التعمية،
لأن مثله العليا وشيمه النبيلة وقيمهُ التي ينطلق منها تدفعه ـ
وبثقة ـ إلى ولوج موضوعاته بقوة ودراية وجرأة.
وأعترف أن قراءة في شعر سموه ـ مثل هذه القراءة ـ لا تعطيه حقه
ولا تفي بالغرض المطلوب، لأن الحديث عن معانيه، وعن امتلاكه
لناصية اللغة والتعبير، وعن شاعريته، وعن صدق عاطفته يحتاج إلى
كتاب.
إن مسوغاتي في التوقف عند شعره ينطلق من تكملة حديثي عن شخصيته
الاستثنائية حتى لا أغفلها أو يقال إنني نسيتها أو تناسيتها.
ولعلي عندما أدلي بدلوي بين الدلاء أنور ـ من خلال فهمي ـ أو
أضيء جانباً من جوانب شعره من الذي له أثره الفعال على النفس
والوجدان.
وبالرغم من أن سموه مقل في كتابة الشعر بسبب انشغالاته بأمور
شعبه وقيادة الدولة إلا أن ما كتبه يكفي لكي نطلق على سموه اسم
شاعر. لأن شعراء معروفين في سفر أدبنا العربي والآداب العالمية
اشتهروا بقصيدة واحدة، واكتسبوا لقب شاعر بجدارة. وصاحب السمو
الشيخ زايد شاعر من قصيدة وشاعر من ديوان. وأي شاعر! إنه الشاعر
المجيد الذي يستطيع أن يرتجل إن اضطر إلى ذلك. وقد حدث ذلك
كثيراً (راجع مقدمة ديوان: غرايس من الظفرة ـ الكندي مصبح
الكندي).
في شعره يتطلع إلى العالم بعين الوعي، وإلى الإنسان بعين الحب
وإلى الحياة بعين التفاؤل، وإلى المصاعب بعين الإرادة، فخيوط
الفجر تزرقه بروح الانطلاق نحو فضاءات رحيبة صادقة لحمتها المحبة
وسداها النزوع الإنساني الثر.
لقد اخترت بعض القصائد لأتحدث عنها لا لأنها الأفضل والأجمل لأن
قصائد سموه في دواوينه كلها جميلة راقية، بل لأنها تعطي صورة
واضحة عن شعره.
وقبل أن ألج فراديس شعره وإبداعه أجد من المفيد أن أنقل رأي
الدكتور مانع سعيد العتيبة في شعره إذ يقول:
أما زايد الشاعر: فالحديث عنه بالنسبة لي ممتع ومحبب، فقد جمعتني
به هذه الهواية الجميلة، ومازالت حتى اليوم تنمو، وتتطور بيننا
حتى قمت أخيراً بجمع ديوان خاص عن الشعر الذي نظمته فيه والشعر
الذي نظمه سموه رداً على قصائدي.
والشاعر من وجهة نظري، ليس الذي ينظم الشعر فقط، بل الذي يعيشه،
فكثيرون هم الناظمون.. وقليلون هم الشعراء، وكان زايد ولا يزال
بتصرفه مع الآخرين وبحديثه إلى الناس حديث القلب للقلب. يمثل ذلك
الشاعر الأصيل الذي ينطلق الشعر من فؤاده لا من لسانه.. وعندما
لمس سموه أنني أميل للشعر شجعني، وطلب مني الاستمرار، وكان يستمع
إلى ما أنظم بقلب المحب، وأذن الناقد العارف المتمرس الذي يضع
يده بسهولة على مواطن الجمال في القصيدة، ولا تمر عليه الأخطاء
أو المعاني والصور الضعيفة في العمل الشعري. ولقد تبادلت مع سموه
عدة قصائد. ويمكنني القول بدون مجاملة بأنه شاعر أصيل ينبع شعره
من عاطفة نبيلة ومعايشة صادقة، وقد طرق زايد الشاعر جميع أبواب
الشعر، وعالج مشاكل أمته العربية، ودعا إلى التعقل والابتعاد عن
الخلاف، وإذا حدثت الخلافات فيجب أن تحل من خلال الشعور بأن
الجميع أسرة واحدة.
ومن وصاياه التي يحرص سموه على أن يوجهها إلى الشعراء: الابتعاد
عن التجريح وعن المدح المباشر، وجعل العفة رفيقاً لا يفارق
الشاعر في كل ما ينظم، ولقد بدأ حب زايد للشعر منذ زمن مبكر،
وقال في صباه عدداً من القصائد، ولكن للأسف لم يتم إلا تجميع تلك
القصائد التي قالها سموه في السنوات الأخيرة.
نسيم الشـرق لمـريـف
قصيدة لصاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة
|
|
حي بنسيم الشرق
لمريف |
|
لي نفحته نرجس
ومشموم |
|
رحبت به واصبحت في
كيف |
|
مني وزالـت كل
لهموم |
|
انشدك
لي مريت ياريف |
|
داره عساتكفا من
اللوم |
|
يعبر صاحب السمو الشيخ زايد الشاعر في هذه القصيدة عن حبه للوطن
وهيامه بطبيعته، فالهواء العليل القادم من جهة وطنه الذي يحتضن
الأهل والأحبة يحمل في طياته الشذا.
هذا الهواء اللطيف الذي يتقرى الوجوه والمشاعر يحمل إشراقة الوطن
التي تشكل بلسم النفس والفؤاد وتزيل الهم والغم.
ويتوجه سموه إلى مناشدة النسيم العليل أن يحمل على جناحيه رسالة
شوق إلى الأحبة يبلغها إليهم من خلال تطوافه في ديارهم، وبذلك
يبعد عن نفسه اللوم، ويحمل أخبارهم دون عناء .. فما أروع أن
تخبرنا بها ونحن في أشد الشوق إليهم !
لغة شفافة راقية من أهم صفاتها التركيز والإيجاز وصدق التوجه
وحرارة الوجدان.
إن ما يبهر القارىء هذه الصورة المركبة التي تعطي فكرة عميقة عن
الأثر الذي خلفته عناصر الوطن في ذاكرة سموه. هناك وعي فائق
بالهدف المنشود ومن خلال القصيدة. وهناك حس جمالي بصري وبصيري،
ميول إلى راحة العطر النفيس عطر النرجس وعطر الرياحين .. وميول
إلى صفات جمالية خاصة في الأنوثة. لكأن ما أمرع في نفس سموه عكس
ذلك على البيئة. فالأقدار تحول إلى ربيع مزهر جميل.
الشيخ زايد وبحق يمتلك فطرة شعرية غامرة وسليقة بلاغية فائقة فهو
يغرف من بحر، وعلى دراية ومعرفة واسعة بكتابة الشعر النبطي
السائد في دولة الإمارات العربية المتحدة.
ومن أثر المكان على شعر سموه أن هاجس الماء يسكن خلف ذاكرته وفي
لا وعيه، ولهذا يدعو أن يرسل الله إلى أرض الوطن المطر فتعيش
نيسانها وربيعها لا أجمل منه ولا أحلى، ذلك لأن العيش في البيئة
الصحراوية يجعل الإنسان دائم البحث عن الماء خوفاً من القحط
والجفاف. وأثر المطر في نفوس أبناء هذه البيئة كبير. فالنفس تتوق
إلى حياة مريحة مطمئنة، والماء له أثره في النفوس. ولهذا فإن ذكر
السقيا عند الشعراء العرب منذ الجاهلية أمر له مسوغاته الكبيرة.
في الصحاري والبراري يحلو السمر والصيد والاستمتاع بروعة الطبيعة
ونسائمها العليلة
|
|
غيه وفيها من
الشراغات |
|
اطيـور سرعـات
وحيه |
|
متعلمات الصيد في
أوقات |
|
ومدربــات
بالسويــه |
|
ماشي شرد عنهن ولا
فات |
|
صقارهـن نفسه
رهيـه |
|
لقد تطرق الشيخ زايد في شعره إلى موضوعات متنوعة لم يترك موضوعاً
إلا وأدلى بدلوه فيه ومن قصائده الرائعة قصيدته في الطرد في
البادية التي يعتمد فيها على أسلوب الحوار من طرف واحد ..
والابتكار في هذه القصيدة أن القارىء لأبياتها يدرك الفعل ورد
الفعل، ويصل بفطنته إلى أبعاد ما يوجه إلى طير الحر:
يقول في هذه القصيدة:
|
|
يا طير وظبتك
بتدريب |
|
أبغى اصاوغ بك
هدادي |
|
لي طارن الربد
المهاريب |
|
لي ذايـرات من
العوادي |
|
القف الهن عساك ما
اتخيب |
|
واقصد القايدهن
عنادي |
|
خمة إبراسه خمة
الذيب |
|
أو عليك ما ظني
هبادي |
|
أو خل الهبوب
اتروح واتييب |
|
ريش شعر عقب
المصادي |
|
الى سبج طيره بلا
طيب |
|
بيتم في حزمـه
اينادي |
|
عند اخويا نا
والأصاحيب |
|
كل ابخبـره
بايسـادي |
|
اولى ما ضوى ودولة
الحبيب |
|
با ذهاب والطبخة
عتادي |
|
يخاطب الشيخ زايد الطير منادياً:
أيها الطير لقد أحسنت تدريبك، وما أريده وأتمناه بعد تهذيبك
التهديد.
فعندما تطير الحباري المذعورة والخائفة من الناس عليك أن
تتلقفهن، وأرجو ألا تخيب في مهمتك. عليك أيها الطير أن تقف
أمامهن بإصرار وعناد وبضربة الرأس كضربة الذئب، وهذا البأس معهود
لديك، وليس عليك بكثير.
ولتدع الرياح تأخذ ريش المعركة وتعيده، فكثير من الناس قد أسرعت
طيورها منذ البداية لتقوم بالفعل نفسه، لكن بزوغ الضوء ينبىء
بالحق فأرسلوا لطيري سيارة الجيب، وهيئوا عدة الطبخ لطبخ ما
أصطاده.
تنبي القصيدة عن أن الشاعر خبير بالطرد في البادية، عارف لأبعاد
هذه الرياضة التي اشتهر بها العرب. وما يؤكد ذلك أنه قدم لنا من
خلال هذه القصيدة معارف لا يلم بها إلا متمرس خبير.
وبناء على ما تقدم فالألفاظ ملائمة للموضوع، ومستمدة من مواقع
الصيد وأساليبه وطرقه.
ولم يكتف الشاعر الشيخ زايد بذلك، بل تجاوز الأمر إلى التأكيد
على مقولة فيها الكثير من الحكمة، والكثير من الخبرة ملخصها أن
المقاتل العنيد والمحارب الذي يرنو إلى التفوق والنجاح لا يعرف
الهدوء والراحة، ولا يرضى بالاستقرار.
فليس المهم المباهاة أن يعدد ما اصطاده الطير سابقاً، وبفنون
طيور الأصدقاء، فالصفات الحقة لا تظهر إلا أثناء الفعل الحقيقي
للصيد. فعندما يذهب الطير ليعود بالغنيمة، فإنه مهما سبقه
الآخرون ليس مهماً؛ لأن طيورها تعرف السرعة، لكنها لا تعرف
العودة، لأنها لم تنل بغيتها في اصطياد الفريسة.
لقد جاءت الصور في القصيدة رائعة إذ يكفيها أنها حملت في طياتها
خيالاً مجنحاً مستمداً من انعكاسات مشهد الصيد في الصحراء وفعل
الحر وعمل الصياد.
أما عاطفة الشاعر فتبدو ظاهرة تجاه هذه الرياضة واهتمامه بها،
كما توضح القصيدة أسلوب العمل بهذه الرياضة سواء أكان ذلك
بالنسبة للطير، أم بالنسبة للصياد.
ومما زاد من شعر صاحب السمو الشيخ زايد تلوين إيقاعاته، فقد
استخدم الكثير من الأوزان .. وفي استخدامه خبرة ودراية. فسموه
يختار الوزن الملائم للموضوع، كما ينطلق باتجاه اقتناص اللفظة
المناسبة والصورة التي تغني، وتثري، وتؤثر، وتمتع.
وفي قصيدة أخرى لسموه يعبر عن تفاؤله وحبه للحياة، كأنه يتمثل
بقول
الإمام عليّ رضي الله عنه ،
اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا، واعمل لآخرتك
كأنك تموت غدا.
يقول في هذه القصيدة:
|
|
دنيـا محـلا
وطـرها |
|
فيهـا زهـت
الأنــوار |
|
كِتــر الخير او
شجرها |
|
وتـوفــرت
الأثمــار |
|
ياها السعد او
غمرها |
|
مــن والـي
الاقــدار |
|
عـم البـر او
بحرها |
|
وفاضـت بهـا
الأنهـار |
|
تتوافــد
القطــرها |
|
عالـم مـن
الــزوار |
|
تتفسـح فـي شجرها |
|
وورودهــا
والازهـــار
|
|
فيهـا المهـا
مكثرها |
|
وريومهــا
والامهــار |
|
يا سعـد اللي
نظـرها |
|
وتحـف بـه
الأســرار |
|
نحمـد لـذي
صورَّها |
|
ووهـب لهـا
الخيــار |
|
وعظَّمهـا فـي
قدرها |
|
بيـــاهٍ
واعتبـــار |
|
ما أروع هذه الدنيا، وما أروع هذا الزمان ! فقد لمعت في أرجائه،
وتألقت في أنحائه.
ولم لا أعبر عن ذلك وقد عم الخير، وانتشرت الحقول والأبسطة
الخضراء، وكثرت الغابات والمزارع التي تنتج الفواكه والخضار.
لقد هل السعد وظلل الحبور حياتنا وطالت قامة الخير، وكل ذلك
بقدرة رب العالمين. هذا الخير عم البر والبحر وطال الأنهار
أيضاً.
ونتيجة لذلك صار الزوار يأتون إلى بلدنا من كل حدب وصوب؛ ليروا
هذا التطور - المعجزة - ويستمتعوا بطبيعة بلادنا الخلابة. فهذا
الوطن مفعم بالمها وغير ذلك من الطيور والحيوانات. فما أسعد
الذين يتأملون جمالها ويدققون في أسرارها الضافية على صفحة
المشاعر والمواكبة لجمال النفس والفؤاد. وما علينا إلا أن نحمد
ونشكر الخالق العظيم على عطائه لنا ومساعدته في جعل صورة الوطن
رائعة، كما نحمده لأنه هيأ لها أخياراً يبنون هذا البلد، ويرسمون
صورته الرائعة. نحمده لأنه رفع شأن هذا الوطن وأعلى مكانته
وجاهه.
القصيدة ـ كما تدل ـ تعبير عن فرح غامر بهذا الوطن الذي تحققت
فيه معجزات متعددة أو لها معجزة بناء الإنسان بناء سليماً معافى
وثانيها المد الزراعي الآسر والخضرة التي حولت الصحراء إلى جنة
خضراء وثالثها التطور والنماء الذي جعل دولة الإمارات حضارية
تضاهي أحدث دول العالم.
ومن البديهي أن يشعر الشيخ زايد بالفرح والسعادة فما تحقق ليس
هيناً .. إن السواعد القوية والعزيمة الصلبة، والإرادة الحديدية
كل ذلك كان وراء ما حدث.
والرائع في هذه القصيدة تلك اللغة السهلة الممتنعة التي اعتمدها
الشاعر من أجل تصوير الحقيقة بصدق عامر بالعاطفة الجياشة، والحب
اللامحدود للوطن العزيز .
يدعم ذلك ويزركش إهابه صور ذات دلالات جمالية وإنسانية وخيال
مبتكر يربط ما بين صورة الواقع وصورة الفن التي تتباهى بالحقيقة
الزاهية.
وتعتبر قصيدة ـ بينونة ـ لصاحب السمو الشيخ زايد دمعة من دمعات
الشعر النبطي، فهي تعبر عن حب لاهف للوطن، ومن خلال هذا الهيام
لكل ركن من أركانه .. إن الدارس يلحظ غيرته عليه، كما يلحظ أملاً
كامناً في أوراده لكي يصير الوطن جنة من جنان الدنيا ..
يقول في القصيدة:
|
|
يعل نوٍ بانت
مزونة |
|
لين يزخر عشب
بينونه |
|
لين يزخر عشب
بينونه |
|
والغُـدر تسقي
سواقيهـا |
|
والرمل يعشب
ويرعونه |
|
والبـدو تـزهي
مبانيهـا |
|
ويستجي م الغيث في
السونه |
|
شـرق والوديـان
ييريها |
|
والجبل تدفق
اركونه |
|
وميلـي الجيعـان
ياريها |
|
والفضي تتنقل
ظعونه |
|
لي هموم القلب
يشفيها |
|
وان عرض يمشي على
هونه |
|
بيس بالدنيـا وما
فيهــا |
|
هو دعاها النفس
ممحونه |
|
والطبيـب اللي
يشافيهـا |
|
محترم والناس
يحظونه |
|
لي وصوفـه نافـلٍ
فيها |
|
نطقته وان بات
موزنه |
|
من صخاوة نفس
يفظيها |
|
والملاحه فيه
مكنونه |
|
من لبوب الوشي
يكسيها |
|
لقد كثرت العواصف والأنواء، وزينت قزعات الغيوم كبد السماء التي
سرعان ما اربدّ أديمها، وهطل الغيث يسقي الظفرة ويروي أرضها،
فليت ثنايا المزون في السحاب تسقي الظفرة، وترويها حتى ينمو
العشب في بينونة، والغدران تسقي سواقيها.
وعندما تخضر الأرض بالعشب وترعى المواشي مرتاحة، تغدو الحياة
رغيدة، وتعمر مباني البدو.
ويستقي من المطر مدة من الزمن فإذا بالوديان تجري والمياه تتدفق
من أركان الجبل فيستفيد منها الجائع والمحتاج سواء أكان إنساناً
أم حيواناً أم نباتاً.
وجراء ذلك يتنقل الصديق الوفي مع ظعائنه سعيداً مسروراً وقد زالت
هموم الدنيا عنه. وإذا اعترضه عارض فهو يسير غير خائف أو وجل لا
يكترث بشوائب الحياة وسوءاتها.
لأن النفس التي تعيش محنة ما لا يبرىء حالها إلا الطبيب. ويبقى
مثل هذا الإنسان في مكانة محترمة بين أفراد المجتمع، لما يتميز
به من صفات حميدة وسلوك جيد.
ولهذا قلت الشعر الموزون هدية خالصة له من نفس معطاءة راضية. فيا
لهذا المخلوق الذي حباه الله من الجمال الكثير وكساه من زخرف
الحسن أكثر وأكثر.
القصيدة كما ذكرت آنفاً مزدانه بألوان النفس ولواعجها والشيخ
زايد أراد أن يرسم لوحة بديعة لطبيعة الإمارات عندما يهطل المطر،
وينهمر غزيراً فيطل الربيع بحسنه الطليق مختالاً بسّاماً يملأ
الأرض ببساط سندسي أخضر، فيفرح الناس، وترعى الماشية من الأرض
الممرعة، وتمتلىء الوديان بالمياه .. كل ذلك ينعكس على حياة
الإنسان الذي سرعان ما يتخلص من شظف العيش وقسوته ..لكأن عناصر
الطبيعة تشارك الشاعر أحزانه وأفراحه، وتتماهى مع مشاعره الرهيفة
لتوحد الهدف الأعلى ألا وهو الحياة الكريمة، وهذا لا يتحقق إلا
بأمر من عند الله عندما تتكرم السماء بفضله وأمره - سبحانه
وتعالى - وتنزل الخير مدراراً ..
العاطفة حارة صادقة تتأجج حيوية نلمحها في جسد القصيدة كلها ومن
ثنايا الجمل والألفاظ والمعاني الصادقة التي تتلاءم مع البيئة،
والخيال ذوأفق واسع دفّاق والألفاظ تشيع بآلاف الدلالات .. كل
ذلك يؤكد روعة القصيدة وبعدها الإنساني والوطني الأخاذ.
وفي قصيدة (آه يا من صوب وجاني) يوضح الشيخ زايد فلسفته في
الحياة والعمل والإنسان .. يقول من هذه القصيدة:
|
|
الشهم والقرم له
شاني |
|
عندلي مثله ومن
دوره |
|
لي عملهم في البلد
باني |
|
باحتـرام وجـد
مشهوره |
|
لي مساعيهم
بالاحساني |
|
في العشاير ما لها
جوره |
|
بين انسان وإنساني
|
|
كما زاحوا من
الكدر ثوره |
|
الظفو يبقى
والاحساني |
|
خالـد لاهلـه
وبسطوره |
|
الكريم الشهم شأنه عظيم، لما لدوره المنقطع النظير في الخير،
فعمل هؤلاء تعرفه البلاد، وسعيهم يلقى كامل الاحترام والتقدير.
فمساعيهم بالإحسان لا مثيل لها بين العشائر، فكم أصلحوا بين
الناس جراء خصام حاد، وكم أوصلوا بين ذات البين، وكم أشاعوا
المودة بما لهم وعطفهم وإحسانهم، هذا ما خلدهم في كتابات الناس
وسطورهم.
وفي قصيدة : شطن بي الغزلان( المنشورة في ديوان ) لؤلؤة الشعب (
يتوجه إلى الشباب، ويربط بين الجمال الذي يحسن المظهر، وبين
الجمال الذي يزين المخبر، يقول سموه :
|
|
ما يحتــرم
لنسـاني |
|
إلا بخصــال
الجـــور |
|
إن كـان مـن
الشبان |
|
وإلا كهــل
معــدود |
|
الشهـم لـه ميزاني
|
|
حشمـه أو قــدر
عـود |
|
يا ذا الشبـاب
البانـي |
|
با در أو قـم
بجهـــود |
|
ولا تقلـد
الدلهانـي |
|
لـي مـا وراهــم
زود |
|
وترى الردى
والداني |
|
فـي سعيهــم
منقـود |
|
شمر الوقت إن زاني
|
|
واعمـل شـرا
لجــدود |
|
وعسى شباب أوطاني
|
|
يحظـى بمجـد او
فـود |
|
إن الإنسان لا يكون مقدراً ومحترماً من قبل الناس إلا إذا حمل
خصالاً رائعة وطباعاً لينة وسماتٍ حميدة ترتبط بقيم ومبادىء
إسلامنا، وشيم وأصالة عروبتنا. من ذلك: الجود والكرم والشجاعة
والشهامة والنبل والصدق والرجولة.. ومثل هذا الإنسان يصلح لأن
يكون مواطناً فاعلاً في المجتمع، فيكتسب تقدير الناس كافة. إن
الرجل الشهم هو الذي يقدم على فعل الخير بقوة وهو الذكي الذي
يعرف كيف يتعامل مع الناس، ويقدرهم فينال احترامهم وتقديرهم.
أيها الشباب.. يا رجال البناء والتعمير تحلوا بالقيم والصفات
النبيلة.. اعملوا بجد واجتهاد لكي تصلوا إلى أهدافكم، وترسموا
فعلكم على وجه العلا، ولتعلموا بأن نيل المعالي يحتاج إلى عزيمة
وإرادة، وأن من يتهيب صعود الجبال يعش طوال حياته في أسفل
سافلين. أيها الشباب تفردوا بعطائكم، وتميزوا في تقدمكم وعملكم
حتى لا تصيروا امّعة لغيركم.
أما أولئك الذين ابتعدوا عن دينهم، وعافوا عاداتهم الأصيلة
وتقاليدهم العامرة، وبدؤوا يمتحون من عادات وتقاليد غربية،
فهؤلاء ستلفظهم أوطانهم، ويخسرون احترام الناس، ويصبحون على هامش
الحياة.
أيها الشباب كونوا على درجة كبيرة من الوعي، ولا تغتروا إذا ضحكت
لكم الدنيا فكذا الدهر إذا ما عز ناس ذلّ ناس كونوا متوفزين
دائماً لحمد وشكر رب العالمين على نعمته وعطاءاته، وحافظوا على
نعمه وأخلاقكم وعاداتكم لتواصلوا مسيرة الآباء والأجداد، الذين
سجلوا صفحات من نور بصبرهم وتصبرهم وأفعالهم العظيمة.. كونوا خير
خلف لخير سلف.
وإنني أدعو الله تعالى أن يوفق الشباب في خطواتهم لبناء الوطن
والذود عنه، وفي تحقيق السعادة والرفعة والمجد للوطن وإعلاء
كلمته.. لأن واجبهم أكبر من ذلك ومهمتهم صعبة.
هذه القصيدة بيان تاريخي فكري ثقافي توجيهي صاغه صاحب السمو
الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة شعراً جبله بذوب روحه
وعطر وجدانه وحبه لأبناء وطنه..
يوضح سموه الأسلوب الأمثل لكي يكون الإنسان محترماً ومقدراً بين
الناس، كما يحدد صفات الإنسان الناجح الذي يحق لنا فعلاً أن نطلق
عليه صفة ابن الوطن: إنه الشاب الصادق الصريح الشجاع القوي
الكريم الشهم المتفاني المخلص... وتلك صفات المسلم العربي الذي
نهل من مبادىء الدين الحنيف وصفات العربي هي هذه السمات.
وسموه لا يتوقف عند هذا الحد، بل يتابع بيانه الذي تزينه الحكمة،
ويطرزه الوعي فيطلب من الشباب رجال المستقبل أن يتسنموا قمم
المجد بقوة دون خوف أو وجد متدرعين بالتصميم والإرادة، ومتسلحين
بأهداف سامية وولع بالعلم وحب بناء الوطن ودفعه نحو الحضارة
والتقدم والازدهار، ثم يحذر سموه من التقليد كي لا يكون إنسان
الوطن نسخة ممسوخة عن الغير، لأن التميز قوة وقدرة، ولأن التفرد
نجاح وحضارة.
ثم يتوقف عند أولئك المتخاذلين الهائمين على وجوههم ناسين أو
متناسين واجبهم تجاه أهلهم ومجتمعهم ووطنهم، فاندفعوا يعبون من
التقاليد الغربية الزائفة والعادات البالية، فإذا هم يعيشون في
الفراغ، لأنهم لم يعرفوا كيف يعشقون الوطن.
إن اقتناص الوقت ضرورة لازمة، وحافز لتشمير السواعد للعمل، ومن
لا يستغل الفرح لا يعرف طعم الحياة.. الأمل كبير أن يحقق الشباب
مجد أوطانهم، فالوطن بانتظارهم، ويتطلع إلى أفعالهم.
إن هذه القصيدة بما تحمله من معانٍ رائعة للشباب تعد دمعة من
دمعات شعرنا العربي صاغها رجل كبير استثنائي لتكون استثنائية..
لو درسها الشباب، وتمثلوا معانيها لكانوا حقاً خير خلف لخير سلف،
وإن هذه القصيدة دليل حي على أن صاحب السمو الشاعر الشيخ زايد
يحمل في نفسه مشروعاً كبيراً للشباب لكي يحملوا الأمانة على خير
وجه، ولكي يكحلوا عيون الوطن بتضحياتهم وعطاءاتهم.
مما تقدم نخلص إلى أن صاحب السمو الشاعر زايد العطاء تميز بأنه
شاعر إنسان رقيق المشاعر بليغ المعاني يظلل الحب توجهاته ورؤاه
.. وصفه رائع وتصويره الفني جميل.. أسلوبه رصين جزل، وكلماته
رشيقة، وشعوره صادق.. حكيم متذوق، وناقد يمزج معانيه بتجاربه
الحياتية، يمتلك حساً مرهفاً وغزارة في قرض الشعر العميق البليغ
ذي الخلفية الثقافية الواسعة والفهم لأساليب الشعر وأوزانه
وأنواعه، في مُكنتهِ الارتجال وتطويع الألفاظ لمعانيه.
يخطط لقصيدته دون تكلف، ويصور دون فجاجة.. ذواقة من الدرجة
الأولى، ويربط بين الجمال الحسي والجمال المعنوي وقصارى القول:
إن ما كتبه هو غيض من فيض وإن شعره سواء المنشور في ديوانية
المطبوعين (لؤلؤة للشعب) و(غرايس من الظفرة)، أم غير المنشور
فإنه يحتاج إلى دراسات موسعة وكتب خاصة تتوقف عند عبقريته
الشعرية وسماتها وألقها وأبعادها؛ لكن الذي شدني إلى ولوج محراب
شعره هو تكميل صورة صاحب السمو القائد طالما تحدثت عن جوانبها في
أبواب أخرى.
إن إبداع صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس دولة
الإمارات العربية المتحدة لفن الشعر والخوض في مجالاته وفنونه
جميعها يأتي مكملاً لإبداعه في العطاء والإرادة والحكمة وسداد
الرأي، وغير ذلك من صفات تحلى بها هذا القائد الوحدوي الكبير
وميزات تميز بها لتشكل عبقرية قيادته وبنائه وحبه لوطنه وأبناء
شعبه وأمته.
وقد عبر الشعراء من أقصى الأرض وأقربها .. من مشارقها ومغاربها
بشعرهم عن عبقرية هذا القائد وصفاته ولا يتسع المجال لذكر أسماء
الشعراء الذين تحدثوا عنه أو الذين دخل معهم سموه في مساجلات أو
مشاكاة أو ردود، وسأكتفي بذكر قصيدة الفريق أول سمو الشيخ محمد
بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي وزير الدفاع التي حللها إبراهيم
أبو ملحة تحليلاً جميلاً؛ ذلك لأن هذه القصيدة الرائعة بمعانيها
ودلالاتها تعطي فكرة عن شاعرية المخاطب (بفتح الطاء) والمخاطب
بكسر (الطاء.. ) تقول القصيدة:
|
|
زارك على صدق
العهود وتمنّاك
|
|
قلب اذا الدنيا
انتهت بتبتدي بك |
|
شفتك وشفت الناس
دونك ومعناك |
|
صاب المعاني
واقصرت ما تصيبك
|
|
ويوم بدا لي الشعر
ما يدرك أقصاك |
|
دورت في وصفك امور
تعيبك |
|
واذا بصدقك واضح
في محياك |
|
واذا الشهامة
والشرف تنتحي بك |
|
والبعض ما يرجي
ويهوى ملاقاك |
|
هذاك من خوفه يملك
حريبك |
|
وانك بخيل بعرضك
وما تحدّاك |
|
حد لأنّه يدري أن
ما يصيبك |
|
وانك تخاف ولكن
تخاف مولاك |
|
ربك لذي تعلم
بأنّه حسيبك |
|
وانّك ظلمت الدهر
ما جاب شرواك
|
|
كيف الدهر مره قدر
أن يجيبك |
|
وانّك جلبت لنا
الحسد من عرفناك |
|
عليك محسودين أنّا
نصيبك |
|
وشفتك قليل الصبر
والناس تخشاك |
|
إذا ظهر ظلم وبدا
ما يريبك |
|
وكونك بشر إن كان
هذا بيشناك |
|
ما في البشر مثلك
بعيد وقريبك |
|
وكم تنغلب لكن
سياسة وبرضاك |
|
ويغلبك الظبي الذي
يحتمي بك |
|
وانّك إذا ترضى
وتغضب جهلناك
|
|
في حالتيك العدل
لانّه طليبك |
|
وتكتم معاناتك ويا
كم ظلمنا |
|
ما نحس بهموم سرت
تلتظي بك |
|
وانك سريع في
الغضب لاعد مناك
|
|
إذا المعادي طمع
وامسى عطيبك |
|
وياكم بتتعبنا إذا
احنا تبعناك |
|
سيرك صعود وكلنا
نهتدي بك |
|
يخشى الفقر من كان
يعطي عطاياك |
|
يا ذا المطر لي ما
يوني صبيبك |
|
واذا نخالف غصب
عنّا وصاياك |
|
من هو الذي به حيل
يورد جليبك |
|
وانّه ينقصنا بلا
نقص يغشاك |
|
إذ ما نروم فْ كل
شيء نقتدي بك |
|
يا من إذا ضاقت
على النسا الافلاك
|
|
تلقى العرب عند
الخطر تلتجي بك |
|
ما غرتك نفسك ولا
وسع دنياك |
|
يا كثر معروفك ويا
كثر طيبك |
|
وكيف السحاب اللي
تجرا وتعلاك
|
|
جارك وسماح زلته
ما تريبك |
|
وعيبك طموح ولا
تغانت بغاياك |
|
تبغي يعمّ الكون
عدل ينيبك |
|
وعيبك تحرض بين
هذا وهذاك |
|
بالخير والله في
المساعي مثيبك
|
|
وعيبك عذول
والعذايل مزاياك |
|
ونحنا على درب
الجدا نقتدي بك |
|
وعيبك شحيح ما
تفرط لمن ياك |
|
لاذ بحماك وفي
الوغى يعتزي بك |
|
وعيبك صريح صادق
من عرفناك |
|
اسناد لي شح الزمن
نحتمي بك |
|
وعيبك تبين في
مساعيك وخطاك |
|
وخطاك في هدي
الرسول اتهدي بك |
|
وعيبك تعدّي كل
وصف وصفناك |
|
فوق النظر واعلى
البشر ينهجي بك |
|
وعيبك تحب اتخدم
غيرك بيمناك |
|
تبني شبابك
والمعالي طليبك
|
|
وعيبك فهيم وجاهل
في عطاياك |
|
تعطي ولا تطلب جزا
من يثيبل |
|
وعيبك تحب الناس
في خير وياك |
|
من أجل هذا صار
شعبك حبيبك & |