كغيره من أيام رمضان الهادئة مر نهار الثلاثاء من شهر
نوفمبر لعام 2002 الموافق التاسع عشر من شهر رمضان المبارك، هكذا بدا لي ذلك
اليوم عاديا جدا وخاليا من المفاجآت، هكذا كان حتى اللحظة التي كنت فيها انهي
صيامي مع توالي صوت الأذان مالئا سماء المدينة ومنبعثا من مسجد الحي والأحياء
القريبة، هل كان ذلك اليوم عاديا فعلا؟ بدا كأن شيئا يختبئ في زاوية ما من
زوايا الزمان، بدا ذلك الشيء كانهيار جبل، أو سقوط نجم أو لا ادري ماذا ..
لكن اللحظات التي تلت الإفطار تعكرت بإحساس غامض بعثر صفو الوقت ورزح على
الهواء بثقل غير عادي!
لم اشعر يوما في رمضان برغبة في أن
ألوذ بغرفتي كما شعرت ذلك اليوم، صامته متعبة ومتهالكة وكأنني سقطت للتو من
علو شاهق، أتحسس عظامي واشعر بألم يجتاحني حتى أطراف أصابعي، كنت أردد : غريب
هذا الألم، لا فائدة من المقاومة، يبدو أنني أحتاج للنوم، في غرفتي وحيدة
انقلب على الفراش، متسائلة من أين انهمر على جسدي كل هذا التعب، توالت صرخات
الهاتف النقال، جاءني صوت صديقتي على غير عادته، تسألني هل تكتبين مقالك
اليومي، أجبت بالنفي، كررت لها أنني متعبة لا أدري لماذا وبهذا الشكل، قالت
بصوت ذاهل : " قومي .. زايد مات " !! وأغلقت الهاتف .
لم أستوعب ما قالته، ولم أنطق بأي
كلمة، ولم انهض، وأطل وجه من خلف الباب يسأل بصوت خائف وخافت، كان صاحب
السؤال وكأنه يخشى ان يتلفظ بما لا يجوز .. أخيرا تجرأ وسأل : هل صحيح ان
زايد مات !! لم أرد، كان السؤال وكأنه لا يعنيني، أو كأنني لم أفهم شيئا، ما
هذا الذي يسألون عنه؟ هل صحيح أن زايد مات؟؟
وغاص شيء حارق كلهب . غاص عميقا في
كل جسدي حد ارتجاف القلب، شيء يشبه الرصاصة حين يخترق اللحم وتهشم العظم،
تفتته وتبعثر الدم وجه الوقت وتفاصيل المكان، " مات زايد " وملأت هذه الجملة
فضاء المنزل، بالذهول والبكاء والخوف، مذيع التلفزيون قرأ النص الرسمي بوجوم
ظاهر وبكلمات لا تحتمل اللبس وكانت الكلمة التي لم أتخيل يوما إنني أسمعها :
" أنتقل زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة إلى جوار ربه " صار فقيد الأمة
والوطن، إذن " مات زايد " وفي الغرفة المجاورة انطلق بكاء أمي حادا، مؤلما،
لا يشبه سوى بكائها يوم جاءها خبر وفاة جدي منذ سنوات وقبله خبر والدي، فتت
بكاؤها صمت المنزل، وخشوع صلاة التراويح التي كانت ذاهبة فيها بخشوعها اليومي
المعتاد.
ركضت إليها ألوذ بها، وأخفف شيئا
من فجيعتها، اذكرها بقضاء الله الذي لا راد لقضائه، واذكرني .. امسك رأسها
بين يدي، واقبض على قلبي الذي يرتجف بين الحنايا، كانت تنتحب مفجوعة، وكنت
انتزع كلمات الثبات لا ادري من أين .. بينما عمر كامل يبكي زايد الذي مات ..
زايد الذي رحل كأنه أبي الذي كان جالسا في زاوية الغرفة ثم رحل فجأة إلى
أبدية لا عودة منها.
ومنذ وفاة والدي ـ رحمة الله عليه
ـ لم اشعر بلوعة الفقد، وحزن الفجيعة كما شعرت بها وأنا اسمع خبر وفاة زايد،
لقد مات أبو الجميع كلهم، أب حنون مات في تلك اللحظة وانسحب من كل بيت فانسحب
الجميع معه، لأنهم لا يكونون بدونه، لا يصير العمر أجمل وأكثر أمانا إلا بع
لكنه مات! هل حقا مات؟ لا حول ولا قوة إلا بالله.
لقد ذهب الصوت الحنون الذي طالما
أسدى النصح، ووجه وبسط الحقائق الكبيرة ببساطة الفطرة، ذهب أبن الصحراء بكل
صفاء الرجال الكبار العظام، بكل شموخهم والقهم ونقاء الروح، ذهب الأب الكبير
الذي وقف دوما في وجه الأعاصير والرزايا والمحن كطود أو كدبل، فقد وقف في كل
المواقف الصعبة والصاخبة، ردها عنا وجاءنا مبتسما كأنه لم ينفض يداه يوما من
أعباء كالجبال، ذهب الإنسان الجميل، الإنسان الحقيقي الذي لم تلد صحراء
الإمارات أكثر إنسانية ونبلا منه .. آه .. ما أصعب الآه عليك .. يا
زايد !!
عائشة سلطان