زايد .. سياسة الحكمة وحكمة السياسة

  ليست الكتابة عن زايد ترفا فكريا، كما أنها ليست صياغات لفظية تمجد أعماله وتسردها بأسلوب إنشائي بديع، فالكتابة عن زايد يجب أن تكون عن تجربة إنسانية تشمل أحوال البشر والأمم وتطورها الإنساني، وهذا " لعمري " يحتاج إلى مجلدات كثيرة تتحدث عن علوم الحياة كلها لتخرج منها بفلسفة زايد وتجربته.

  غير أن القلم قد يطاوعني في هذا اليوم الحزين أن أكتب اسطرا لا تكاد تكون نقطة في بحر عن هذا القائد العظيم الذي يرقد جسده في الثرى، لكن روحه ترفرف بإذن الله تعالى في جنات النعيم الخالد .. وفكره السياسي والاجتماعي والاقتصادي سيبقى مدرسة لها إشعاع كبير في الضمير العربي والإنساني .

  فالرجل ولد أيدلوجيا ومفكرا سياسيا واقعيا وميدانيا، استطاع أن يمزج بين النظرية والعمل، فلقد اثبت أنه ليس بالنداء العاطفي ولا برفع الشعارات السياسية سيزحزح الأمة من ركودها، بل إن الذي سيحركها هو الأنموذج القيادي الجديد الذي يجب أن يمثله هو باعتباره الرمز الذي ستنشأ حوله الأمة والحلقة التي ستوحد عناصرها.

  وهذا الأمر لم يكن هينا وسهلا لشعب كشعب الإمارات عاش أجيالا طويلة في تخلف وتأخر، بل إن هذه البقعة من الأرض العربية بدت وكأنها تختفي تحت ركام التاريخ ، لذلك فإن بعث الحياة فيها لا يمكن أن يقوم بطرح شعارات مبنية على خيالات وآمال، كما حدث في بلدان أخرى طغت فيها الرومانسية السياسية والهمجية الثورية العسكرية على أعمال العقل والعمل، فلم تنتج فكرا يبحث ويستشرف، بل أنتجت أدوات تسويغ للسيطرة، تتكلم عن برامج إنمائية وطرق لحياة كريمة حرة وبذلك أوجدت انفصاما بين ما يقال إعلاميا وبين ما ينتج عمليا.

  وفي تلك الفترة من سنوات الغليان الثوري والإحباط السياسي في العواصم العربية التي أخذت على عاتقها مهمة التغيير، ظهر على المسرح السياسي المغفور له بإذن الله تعالى صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان في وسط مشهد محزن لمسافة لا متناهية بين الواقع والخيال والرومانسية الثورية المضطربة ووفرة الكلام وشلل الإرادة والفعل العربي.

  ويبدو أن هذا القائد درس بإمعان تاريخ العثرات العربية أكثر مما درس تاريخ الانتصارات الماضية التائهة في غيبيات مثالية لا يمكن تطبيقها كما كانت عليه في الماضي يومذاك، لذلك جاء بمدرسة سياسية جديدة تقوم على اجتياز تلك العثرات ومحالة إزالتها، فكانت مدرسة العقل والاتزان القوي الخلاق والإرادة الفولاذية لفتح طريق المستقبل والعدول عن الأوهام والدعوة لمصالحة العرب مع أنفسهم أولا ثم مع العالم ثانيا.

  لذا قامت أيدلوجيته على توحيد المجتمع المقسم عشائريا وإداريا، إلى وحدة نفسية جديدة تنظم نوازع وميول أفراده وتجاربهم في الحياة، بحيث جعلت كل فرد يرسم المستقبل بعقلانية المفاهيم التي كان يبشر بها ويمارسها، مما أدى إلى إيضاح الفوائد المادية الكبيرة المترتبة عليها، أي أن الاتحاد النفسي صار أنموذجا في عهد زايد بحث لم تعد هناك حاجات لتكتلات عشائرية ولا مفاخرات قبلية مما أدى إلى بروز شكل من أشكال الديمقراطية أكثر ملائمة لتراث الأمة ونمط تفكيرها لأن ديمقراطية المجتمع الذي بدا زايد بقيادته تجسدت في زايد نفسه لا في الشعارات . ذلك ان زايد كان يعمل من خلال التنظيم في المنهج والخطة ويعمل في الوقت نفسه في سبيل إصلاح الضمائر الفردية في مجتمع كانت نسبة الأمية فيه عالية جدا لذلك أصبحت قيادته محل تقديس دنيوي لأنها غارقة في القدسية الدينية التراثية ، فهذا الزعيم كان يعمل من أجل بناء دولة منيعة وبعث المثل الإنمائي الاقتصادي والاجتماعي، ويبدو هذا جليا في أفكاره وخطبه المتماسكة، التي تحث على جلب التكنولوجيا والتنظيم لمجتمع خرج حديثا أو بالأحرى يحاول الخروج من عالم البيداء والإبل دون إدخال تغيير على الهباكل الذهنية والاجتماعية إلا بالقدر الذي يبقى فيه الإسلام والتراث يمثلان شخصية الأمة ومستقبلها .

  إن الحديث عن مدرسة زايد السياسية لا يفي به مقال ولا كتاب، إنه مدرسة في نشوء الأمم وقيام دولة المؤسسات، إنني أشكر الله تعالى أن جعلني أعايش عصر زايد وعهده، وأكتسب من ذلك أكبر علم وتجربة في الحياة، لأنني رأيت كيف تقوم الأمم وكيف يبنى الوطن ماديا ومعنويا وكيف تشق الأرض لتخرج كنوزها وكيف يرتفع الرمل لبناء مدن عصرية، وكيف تكتسي القفار بملايين النخلات والأشجار والخضرة اليانعة وكيف يعتدل المناخ وكيف تبنى الدول وتقوم مؤسساتها وكيف تتلاشى الانقسامات التقليدية ويموت الانشقاق والاختلاف وتعقد الضمائر على الولاء والمحبة ويحقق الاندماج الاجتماعي والسياسي .

  فإلى جنات الخلد أيها القائد الأنموذج، وسابقي أصلي ويصلي معي الملايين ممن عاشوا أيامك وتعلموا منك، وأن كان لي رجاء أتوجه به إلى الباري عز وجل هو أن أتمكن من ان اكتب فلسفتك واشرح منهجك وأوضح خططك في بناء الإنسان والوطن، في وقت لا نسمع فيه ولا نرى إلا أخطارا تهدد بالهدم والتدمير لا سمح الله، لكن الله سبحانه وتعالى الذي وهبك لهذه الأمة، قد وهب لها أيضا من ذريتك وجيلك من سيحمل الأمانة والمشعل الذي لن ينطفئ لأنه يمثل إرادة الخالق الأعظم جلت مشيئته .

د . فالح حنظل

كافة الحقوق محفوظة لشبكة الرحال الإماراتية

عند النسخ من الشبكة وإدراج الموضوع في احد المنتديات فيجب الإشارة إلى ان الموضوع منقول من شبكة الرحال الإماراتية