إنا لله وإنا إليه راجعون

 

  منذ أن وعينا الدنيا وعيناك، ومنذ أن بدأنا نحلم حلمناك، ومنذ أن بدأنا نغني غنيناك، نثرنا الرؤى على أرض جرداء، فانشقت عن جنات من نخيل وأعناب مكتوب على كل ورقة من أوراقها " زايد " .

  أعطينا أطفالنا كراسات رسم وألوانا مائية ليرسموا أي شيء يخطر على بالهم فرسموا " زايد " .

    جمعنا العصافير على أغصان الود وأعطيناهم شارة البدء فصدحوا في صوت واحد " زايد " .

  أعلنا عن إقامة ماراثون خيري شارك فيه آلاف مؤلفة من البشر، وعندما دوت رصاصة الانطلاق توجهوا جميعا نحو " زايد " .

  صففنا الأمواج في طابور متلاطم، وكلبنا منها أن تأخذ السفن إلى بر الأمان، فأخذتها إلى " زايد " .

  نادينا الريح أن عرجي على قماش الأرض واختاري ما يرفرف منها واسكنيه وحدة وأمنا وطمأنينة، فاختارت ما اختار " زايد " وسكنت علم الإمارات رفرفة وعزة ومثلا .

وسألنا الله سبحانه وتعالى أن ينزل المطر، وأن يهبنا قبسا من نور، وأن يحقق أحلامنا، فأعطانا " زايد " .

  وحط الربيع على أول الدب، حط الربيع على أول القلب، إني أسمي المسافة بيني وبين الأحبة ورد الزمان، أسمي النخيل قصائد عمري وتاج الشجر، أسمي النخيل بداية عشقي، بداية ما تنجب الأرض من خيرها، وبداية ما يجمع الحب بين الصحارى وبين المطر، وحط الربيع على الروح فانتشرت بارقات الأهازيج في شبر، وأضحى الفؤاد يميل مع الشجر المتمايل حين تلامسه الريح، يضحك حين يرى الورد يفتح أكمامه للندى، ويذوب إذا ما رأى طائرا فوق غصون الفؤاد يغني.

  في عام 1918م، وفي قصر الحصن انطلقت صرخة المستقبل، فقد وضعت الشيخة سلامة معجزة الإمارات، ذاك الطفل الذي ولد خيرا وعاش خيرا ومات خيرا، وسيبعث يوم القيامة بإذن الله خيرا، وما إن بشر والده الشيخ سلطان بالضيف الجديد حتى ذهب وحمله بين يديه، ونظر في وجهه ليرى بهاء الوجه حاد الملامح، والعينين اللامعتين التين تفصحان عن بشارة الزمن الآتي، وفورا أطلق عليه اسم " زايد " تيمنا بجده الأسطورة زايد بن خليفة، المعروف بـ " زايد الكبير " الذي وحد بين قبائل الساحل العماني، ولد زايد ليولد معه مصير هذه القطعة المجهولة من العالم .

  من قال إن هذه الصحراء ستصبح بقعة مضيئة تجذب العيون وتحرك العواطف وتخلب الألباب؟ من ظن أن هذه البقعة المظلمة ستكون مصدر جذب لكل سكان المعمورة، يلتقون عليها بالخير، يبنون ويبدعون ويدعمون المسيرة البشرية بما ينجزون، كانت صحراء جرداء، يهرب من قيظها وعطشها جميع الكائنات، أصبحت واحة ظليلة يستظل بظلها كل الكائنات .

  في السابعة من عمره، كان زايد يجلس مع أترابه في الكتاتيب، دفتره من عظام أكتاف الجمال، وقلمه من جذوع الأشجار، وحبره من مخلفات المصابيح الزيتية، تعلم القراءة والكتابة.

  وفي الثامنة حفظ القرآن الكريم، وشغف منذ نعومة أظفاره بالفروسية والصيد والرماية والمبارزة، وقد أثرت فيه ثلاث شخصيات هي : شخصية الرسول الأعظم محمد بن عبدالله صلوات الله وسلامه عليه، وشخصية شاعر العرب الأكبر أبوالطيب المتنبي، وشخصية  والدته الشيخة سلامة، وعندما بلغ التاسعة من العمر شق الألم طريقه إلى نفس زايد، وذلك بفقده والده الشيخ سلطان، فاثر ذلك كثيرا في سلوكه حتى أنه أعتزل الناس فترة من الزمن، ومن هنا بدأ التحول، حيث إن الحزن المبكر جعله يبدو كرجل ناضج .

  وفي عام 1964م، وعندما كان عمر صاحب السمو الشيخ زايد ثمانية وعشرين عاما، دخل زايد في أول تجربة عملية في الحكم، حيث أسند إليه أخوه الشيخ شخبوط ، ليكون ممثلا له في المنطقة الشرقية، وفي مدينة العين برزت مواهبه في الحكم، فاشتهر بالعدل والكرم والحكمة والبساطة والعطف والحنكة في حل المنازعات، فذاع صيته بين القبائل، وكان يلتقي زائريه، ليقضي حوائجهم ويحل مشكلاتهم، تحت شجرة خارج قلعة المويجعي، كان يدفع للناس من جيبه، وكان يشتري حق السقاية من الأغنياء ليوزعها على الفقراء، وكان محبا للعمل، يحفر ويزرع ويسقي بيديه، يقصى أحوال الناس، ويتابع كل صغيرة وكبيرة بنفسه، شق الأفلاج ومن أهمها وأكبرها وأشهرها " فلج الصاروي" نذر نفسه للعطاء فبدأ نجمه يعلو .

  في السادس من أغسطس عام 1996م، اختير ليكون حاكما لإمارة أبوظبي، وهذه هي تجربة العمل الثانية، فنجح فيها مثلما نجح في الأولى، وهنا مده الله بيد الخير، فتفجرت الأرض بالعطاء، ففكر زايد أول ما فكر في وطنه وشعبه، فأغدق عليهما ببصيرة وفطنة لا نظير لهما، لم يفكر في أن يستأثر بالخير لنفسه، بل بدأ بالإنسان قبل البنيان، لأنه مؤمن بأنه هو الركيزة الأساسية في أعمدة الأوطان والأزمان، فتح قلبه للجميع فسكن فيه الجميع، وامتدت سقياه لتشمل الظامئين في شتى أنحاء البسيطة .

  وفي الثاني من ديسمبر لعام 1971م، كان إنجازه الأكبر بقيام الاتحاد وما استتبع ذلك من منجزات حار منها القاصي قبل الداني، وصارت مضربا للأمثال وقدوة لمن يريد أن يقتدي .

  واليوم، وبعد حياة حافلة بما لا يحصى ولا يعد، سلم حبيب الشعب الوالد القائد زايد الراية إلى أبنه صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، ليكم المسيرة ويمضي بسفينة الاتحاد نحو الشمس .

  كثيرون يدخلون من هذا الباب ويخرجون من ذاك الباب وكأنهم لا دخلوا ولا خرجوا، وقلة قليلة جدا هي تلك التي تدخل فتخلد في القلوب والأذهان وشواهد الوطن، كثيرون يمرون فلا يثيرون سوى الغبار والزبد، وقلة قليلة جدا هي التي تمر فتمكث في الأرض، كثيرون تراهم بأجسام البغال وأحلام العصافير، وقلة قليلة تعجز عن حمل نفوس الأبدان، وكثيرون هم أصحاب الأقوال، وقلة قليلة جدا هم من أصحاب الأفعال.

  رحم الله والدنا وقائدنا ومعلمنا وحبيبنا صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، ألهمنا الصبر، ورعاه بالرحمة والمغفرة وجنة عرضها السماوات والأرض .. إنا لله وإنا إليه راجعون .

مـن الحلـم شيـدت بيـت القمـر                                        وأسكـنـت فـيـه جميـع البشـر                                      
وأطلـقـت فـي الـكـون أغنيـة                                       إمـاريـه هـي تــاج الــدرر                                      
تـلـوح يـا سـيـدي لـلـمـدى                                       فـتشـدو المنـى والـرؤى والمطـر                                      
وتـزهـر روضــة أحـلامـنـا                                        وتـغـدو الإمـارات نـبـع العبـر                                      
عشـقت العـروبـة فـي حلـوها                                       وفـي مـرهـا وحمـلـت الأمـر                                      
ونـاديـت يـا أمـتـي انـهضـي                                       فنـومـك طـال وعـمـرك مـر                                      
تـرنـم بـاسمـك طيـر الهـوى                                        وفـتـح فـوق خطـاك الـزهـر                                      
وهـا نـحـن بـعدك نبكي النوـى                                       ونـدعـو لـك الله عنـد السحـر                                      

عارف الخاجة

 

كافة الحقوق محفوظة لشبكة الرحال الإماراتية

عند النسخ من الشبكة وإدراج الموضوع في احد المنتديات فيجب الإشارة إلى إن الموضوع منقول من شبكة الرحال الإماراتية