عندما بدأ جاك شيراك الرئيس الفرنسي زيارته إلى المنطقة في العام
2001م ، قال في تصريح له : " جئت لأسمع وجهات نظر ونصائح الرجل
الحكيم الشيخ زايد " ، وقبل تصريحات شيراك بأكثر من 50 عاما وصف
الكتاب والمؤرخون زايد بأنه فارس من فرسان الصحراء الشجعان، يجيد
ركوب الخيل، وجمع في شخصيته أخلاقيات البدو وصلابتهم وقوة
الصياد، وحساسية الشاعر، وهو فيلسوف وحكيم رحب الصدر، محب
للطبيعة، يميل إلى البساطة .
كلود موريس قال في كتابه " صقر الصحراء "، على لسان العقيد هيو
بوستيد الممثل السياسي البريطاني الذي عاش فترة طويلة في المنطقة
:" لقد دهشت دائما من الجموع التي تحتشد يوميا حول الشيخ زايد
وتحيطه باحترام واهتمام، وقد شق الينابيع لري البساتين، وكان
يجسد القوة مع مواطنيه من عرب البادية الذي كان يشاركهم حفر
الآبار، وإنشاء المباني، وتحسين مياه الأفلاج، والجلوس معهم
ومشاركتهم الكاملة في معيشتهم وفي بساطتهم كرجل ديمقراطي لا يعرف
الغطرسة أو التكبر " .
أما الرحالة البريطاني ويلفريد تيسيغر الشهير بمبارك بن لندن فقد
قال في كتابه : " زايد رجل قوي البنية في الثلاثين من عمره
تقريبا، وجهه ينم عن ذكاء حاد، وعيناه ثاقبتان قويتا الملاحظة،
شخصيته قوية وكان بسيطا في لباسه .. لقد كنت متشوقا إلى لقائه إذ
أن له شهرة واسعة في أواسط البدو الذين أحبوه لأسلوبه السهل وغير
الرسمي في معاملته لهم، واحترموا فيه قوة شخصيته وذكاءه وقوته
البدنية .
وأشار كيلي الباحث والمؤرخ في تاريخ عمان
وشبه الجزيرة العربية في كتاب له في العام 1964م، إلى شخصية
الشيخ زايد بقوله : " في العام 1946م، تولى الشيخ زايد الحكم في
العين، ومنذ أن تولاها ظهر أمام القبائل نموذجا لصنف الرجال
العظام من أمثال جده زايد الكبير ".
لقد أدرك شيراك ومن قبله
هؤلاء المؤرخون والكتاب الأجانب وغيرهم الكثير حقيقة الشيخ زايد
مع أنهم لم يعاشروه ولم يعيشوا معه يوما بيوم وساعة بساعة .. لقد
أحبوه وأعجبوا بحكمته وشخصيته المميزة القادرة على اسر قلب وعقل
من يجلس معه سويعات بسيطة، فما بالكم بمن التصق به، ونهل من خيره
الذي فاض ليشمل القاصي والداني.
لقد اختصر كيلي حياة
الفارس الخالد فينا وفي قلوبنا بأربع كلمات تعبر عن حجم مصيبتنا
بفقدانه حين وصفه بأنه :" نموذج لصنف الرجال العظام" .. لقد كان
كذلك رحمه الله .. كان عظيما في كل تفاصيل حياته .. في صفاته
وأخلاقه وفي كرمه، في غيرته على دينه، وحبه لشعبه وشعوب
المسلمين، أحبنا فأحببناه، ,اخلص لنا فأخلصنا له، حكيم العرب ليس
وصفا بروتوكوليا أو كلمات مجاملة إنها صفة فطرية وهبها الحالق
للشيخ زايد تشكلت ملامحها منذ أن كان طفلا صغيرا يمرح ويركض في
رحاب قصر الحصن مقر الحكم في أبوظبي إلى أن وصل إلى المسؤولية
وأصبح حاكما بمدينة العين العام 1946م، وبرز خلالها كزعيم ذكي
وكريم، ثم وصوله إلى قصر الحكم في أبوظبي ومنه إلى رئاسة دولة
الإمارات العربية المتحدة .. واتضحت حكمته في قيادة الدولة
بسياسة متوازنة رزينة تعتمد مبدأ نشر الخير، وتبتعد عن منابع
الفرقة والتشتت، ولعل السمة البارزة في سياسته رحمه الله أنه
ابتعد بالدولة عن مزالق الخلافات السائدة في الصف العربي واستطاع
بمواقفه التي تتسم بروح الود والإخاء أن يكسب احترام الجميع.
لقد عمل زايد طوال حياته
على توحيد الصف العربي وها هو اليوم يوحد العرب جميعا بعد رحيله
على حزنهم عليه، فكانت صدمتهم في جميع الأقطار لا تقل عن صدمتنا
وحزنهم عليه لا يقل عن حزن أي منا .
اللهم إنا نشهدك ونشهد
ملائكتك .. أننا نحن رعيته قد رضينا عنه، فأرض عنه ووسع مدخله
وأسكنه جنة الفردوس يا حي يا قيوم .. اللهم اعف عنه وارحمه وأجمع
أره كما جمع شتات هذا البلد ووحد صفوفه يا رب العالمين .
سامي الريامي